مرسى الباحثين العرب
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
،سعدنـــــــــــا بزيارتـــــــــــــــــك
ونسعد أكثر بانضمامـــــــــــــــــــــك للباحثين أمثالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك

التســــــــــجيل لن يأخذ من وقتك الثمين إلا لحــــــــــــــــــــــــــــــظات
شكرا
ادارة المنتدي


مرسى الباحثين العرب
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولتسجيل الدخول

حفظ البيانات؟
شاطر | 
 

 شعرية السرد والنحو السردي تزيفيتان تودوروف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بوعلام م
مشرف المرسى الجامعي


البلد :
الجنس: ذكر
عدد المساهمات: 374
نقاط تميز العضو: 28761
تاريخ التسجيل: 08/09/2011
العمر: 31

مُساهمةموضوع: شعرية السرد والنحو السردي تزيفيتان تودوروف   22/09/11, 10:59 pm

1 ـ شعرية السرد، القصة والخطاب:
يُعدُّ تودوروف من بين النقاد الذين طوروا مفاهيم منسجمة، وحيوية تتعلق بالأبحاث النقدية الجديدة. وكان له الأثر الكبير في إغناء حقل الدراسات السردية من خلال تعريفة بالنقاد الشكلانيين الروس،
الذين قدمهم لأوربا بعد ترجمته لأعمالهم التي جمعها في كتاب بعنوان "نظرية الأدب" Thèorie de la littèrature"(1) 1965(*). فتح هذا الإسهام آفاقاً جديدة للنظرية النقدية في مجال السرد، حيث ربط بين نموذجين للبحث هما الدرس اللساني والنقد الأدبي السردي.
لقد قدم تودوروف للنقد جملة من الكتابات المتعلقة بمجال السرد، أهمها مقالته المنشورة ضمن العدد 8 من مجلة توصلات (Communication ـ 1966)، وكتابه الشعري (Poètique ـ 1968) وكتاب شعرية النثر (Poètique de prose ـ 1978).
وإذا حاولنا تتبع المسار الذي تشكل وفق منظوره النقدي، نجد أنه يمثل حلقة من حلقات النقد الجديد في فرنسا، إلى جانب رولان بارت، وجيرار جينيت خصوصاً. ويعود ذلك للتقارب الكبير الحاصل في الأطروحات النقدية المنهجية التي قدمها هؤلاء ضمن مسارات وقواعد ثابتة لتحليل النص السردي. كما أن الأثر الكبير للمدرسة الشكلانية، وتحديداً أعمال كل من جاكبسون، بروب، توماشفسكي، يتضح صداه الكبير في أعمال "جماعة النقد الجديد". كما يمكننا أن نسجل التأثير الذي تركه الناقد ميخائيل باختين في التوجهات اللاحقة لتودوروف، وبخاصة فيما يدعوه النقد الحواري.
وإذا سعينا إلى رسم معالم النظرية النقدية عند تودوروف، نجدها لا تختلف كثيراً عن المسار الذي خطاه رولان بارت، والمتمثل في الانطلاق من الأطروحة البنيوية اللسانية في تحليل السرد، ليتحول بعد ذلك إلى مفهوم الشعرية والنقد الحواري. غير أن هذا الانتقال لم يحولـه بصفة جذرية عن أطروحاته البنيوية والشكلانية الأساسية. وتتميز المرحلة الأولى ـ التي يمثلها مقاله الأساسي "مقولات السرد الأدبي" (Les catègories du rècit littèraire) المنشور ضمن العدد 8 من مجلة "تواصلات"(2) ـ بالاستفادة المباشرة من اللسانيات البنيوية، ومن مفهوم الخطاب عند إميل بنفنيست، ومن الشكلانيين الروس، وتحديداً بروب وتوماشفسكي وشكلوفسكي في مقاربة القصة، ومفاهيم أخرى مثل المتن الحكائي، والمبنى الحكائي، نظام الوظائف.. وهو ما يشكل تجاوباً مع أطروحات بارت التجديدية، ورداً على المقاربات الكلاسيكية للنقد الأدبي.
ويؤكد تودوروف على هذا الوعي المنهجي المقترح، حين يقول: "إن مهمتنا هنا هي اقتراح نظام من المفاهيم التي تسهم في دراسة الخطاب الأدبي"(3). وتتضمن الاقتراحات المقدمة في المقال المذكور سياقاً واضحاً للتعامل مع القراءة البنيوية للقصة، ويتم ذلك بدراستها وفق مستويين اثنين هما؛ التمييز بين القصة بوصفها نظاماً حكائياً
(Historie)؛ وبوصفها نظاماً خطابياً
(Discours) أيضاً. فالنص السردي في نظره يتميز بهذين المستويين، اللذين يمكن التعامل مع مكوناتهما بطريقة تتيح الكشف عن البنية السردية.
فالقصة تمثل جانباً حكائياً من خلال الأحداث المتعاقبة، التي قد تتشابه مع الحياة الواقعية، كما أنها تمثل جانباً خطابياً عبر طريقة انتقالها. فالقصة تفترض وجود راو يتحدث عن أفعال ومواقف يسردها على مستمع أو متلق، سواء أكان هذا الراوي حقيقياً أم افتراضياً. وفي هذا المستوى فإن الذي بهمنا هو الطريقة التي تم بها السرد. ويقسم تودوروف المسارين المنتجين المتعلقين بالحكاية والخطاب إلى جملة من المباحث نقدمها كما يأتي:
I. 1 ـ القصة بوصفها حكاية Le rècit comme histoire
يشير تودوروف في هذا المستوى من التحليل، إلى أن الحكاية هي بنية مجردة مطلقة، مكونة من مجموعة من الأفعال القابلة للسرد، من طرف مجموعة مختلفة ومتعددة ومن الرواة، وبالتالي فهي غير ثابتة المعالم من حيث الأداء؛ فكلّ راو يقدمها وفق رؤيته الخاصة. غير أن هذه الحقيقة لا يمكن أن تلغي حقيقة الحكاية الأساسية، التي هي عناصر قائمة باستمرار في هيكلها الأولي.
والسرد التتابعي والكرونولوجي للأحداث لا يفي بالضرورة بطبيعة الحكاية، التي يمكن أن يتغير المسار الكرونولوجي للأحداث فيها بمجرد أن تكون مشتملة على شخصيتين، فنجد أنفسنا مضطرين للتوقف عند حادثة خاصة بالشخصية الأولى، لنقوم بسرد الوقائع المتعلقة بالشخصية الثانية. ومن ثم يمكننا القول إن الحكاية ليست هي الأحداث، بل العلاقة الاتفاقية التي تؤلف بينها، فالحكاية لا وجود لها في ذاتها(4). وبالتالي فإن إدراك الحكاية يتم في مستويين مختلفين من مستويات البنية الحكائية، هما:
أ) ـ منطق الأفعال: يقرر تودوروف أن الأفعال في منظور الشعرية الكلاسيكية تتخذ طابعاً دراسياً، يؤكد على تصنيفها من منظور التكرار. فالمنطق الذي يحكم آلية العلاقة الفعلية، لا يتحدد بمدى الاختلافات والتعالقات السردية، بل يتبع منحى متدرجاً، في حصر مجموع الأحداث في مستوى بسيط من العلاقة مع الشخصيات، يجعل القراءة تتسم بالرتابة، والابتعاد عن تشكيل انسجام بين مختلف الوحدات السردية. ويقدم بالمقابل جملة من النماذج القابلة للتطبيق، من منظور أنه بالإمكان إقامة نمذجة تخص منطق الأفعال، قابلة لأن تكون صيغة مشتركة، تطبق بشكل نموذجي مطلق، يتناول الأفعال بصرف النظر عن طبيعتها.
يستنتج تودوروف في بحثه عن منطق مميز لترابط الأفعال نموذجين، هما:
ـ النموذج الأول وهو النموذج الثلاثي (Le modèle triaique)، وهذا النموذج المستلهم من كلود بريموند يؤكد على أن القصة مكونة وفق منطق التسلسل، من افتراضات وتنويعات لمجموعة من السرود الجزئية (micro-rècit)، القارة والأساسية والتي تشترك وتنبني وفقها كل الحكايات. لأنها تمثل المواقف الأساسية في الحياة ويقوم هذا النموذج على ثلاث وحدات فعلية هي الفعل، والاختلال، والتوازن.
من خلال الأبعاد المفهومية التي يتخذها، مثل: الصداقة، الحماية، العقد، الخيانة، التحقق. ومن الأمثلة التي أوردها تودوروف من رواية العلاقات الخطيرة: الرغبة في الحب، الإغراء، تحقق الحب، وهو ما يؤدي إلى مفهوم تحقيق العقد(5).
ـ النموذج الثاني: هو النموذج التماثلي، أو علاقة المشابهة (Le modèle homologique)، الذي يحدد من خلاله السرد مستوى تركيبياً، يرتبط بشبكة من العلاقات الاستبدالية، حيث يتم البحث انطلاقاً من سطح النص على مستويات أخرى ممكنة تكثف من دلالته. فالحكاية تقوم على أساس من التوتر القائم على المشابهة والاختلاف "واستغراق الحكاية في أحد هذين العنصرين دون الآخر يحيلنا إلى نوع من الخطاب لا يصدق عليه اسم القصة.. ويعطينا بالمقابل نوعاً من الببغاوية المتحجرة انطلاقاً من تشابه المسندات، أو في شكل من الكتابة الوثائقية المبنية فقط على الاستبدال(6).
وبناء على هذا الاستنتاج يكون تسلسل الأفعال في الحكاية خاضعاً لمنطق محدد مبني على التماثل والمقابلة. فقيام مشروع تقابله إعاقة واعتراض، وحدوث خطر تقابله مقاومة وتحدي أو هروب. وهكذا يمكن أن نحدد مجموع الاحتمالات السردية المبنية على التقاطع العلائقي، بين محوري التركيب والاستبدال السرديين. وقد طور تودوروف المعطيات المتصلة بمنطق ترابط الأفعال بشكل أكثر دقة، وتحديداً في مقاله المتعلق بالنحو السردي، الذي ضمنه في كتابه شعرية النثر(7).
ب) ـ الشخصيات وعلاقاتها:
تترابط الشخصيات في مستوى الحكاية وفق ثلاث علاقات، تنهض عليها المهام الأساسية لبنية العمل الأدبي السردي في مستوى الحكائية، وهي: علاقة الرغبة
(Dèsir)، علاقة التواصل
(Communication) المعبر عنها بالمسارة (سر)، وعلاقة المشاركة (Participation). وتشكل كل علاقة من هذه العلاقات محوراً تنحدر منه مجموعة من العلاقات الجزئية، التي تتخذ بعداً تنازلياً استبدالياً، ينسجم مع الإطار العام لهذه العلاقة.
وتتحكم في التحولات العلائقية ثلاث قواعد هي:
ـ قاعدة المعارضة la règle de l'opposition وتترتب عنها ثلاث علاقات تعارض، وتقابل العلاقات الأساسية الثلاثة الأولى، وهذه العلاقات هي:
ـ علاقة الكراهية (La haine)، وتعارض علاقة الحب.
ـ علاقة القطيعة (الجهر) (afficher) وتعارض علاقة التواصل (المسارة).
ـ وأخيراً علاقة المنع (Empêchement)، وتعارض علاقة المشاركة.
ب) ـ قاعدة السلبية La règle du passif
وتترتب عنها علاقات متعدية بين الشخصيات عبر التجاور ولتنافر والتقاطع، ومنه يمكن أن نمثل رمزياً لذلك بـ:
أيرغب في ب و ب يرغب في أ
أ يرغب في ب ويكره ج
أ يتواصل مع د وينقطع عن ج
وهكذا تتوالد العلاقات لتصل إلى اثنتي عشرة علاقة، تميز الحركة الأساسية للعلاقات القائمة بين الشخصيات.
ج) ـ التحويلات الشخصية Les transformations personnelles
ويتعلق هذا المستوى بالتحويلات التي تطرأ على نوعية العلاقات التي تربط الشخصية مع الشخصيات الأخرى، أو الشخصيات فيما بينها؛ فقد تتحول علاقة الرغبة إلى علاقة تملك، كما قد تنتقل الرغبة في التملك بعد تحققها إلى اللامبالاة، ويمكن لعلاقة المجاهرة بالسر، أن تتحول بين شخصيتين إلى تواصل. وهكذا تصبح التحويلات الشخصية من بين المواقف التي تبنى وفقها العلاقات القائمة بين الشخصيات في مستوى الحكاية.
II. 1 ـ القصة بوصفها خطاب Le rècit comme discours
يترتب عن الإجراء الثاني عند تودوروف، في التعامل مع القصة بوصفها خطاباً تغيير في مجال التعامل مع النص السردي. ففي حالة الحكاية تم التعامل مع النص، على أنه مجموعة من الوقائع التي ترتبط بمنظومة علاقات خاصة بها. أما في مستوى الخطاب فإن تودوروف يميز بين ثلاثة مستويات تتصل بالطريقة التي يتم بها تقديم القصة، وهذا بطبيعة الحال انطلاقاً من المجال الملفوظي المحدد عبر النص المكتوب، والذي يرسله راو سارد يقوم بتوجيهه إلى متلق.
وتتحدد المستويات الثلاثة من خلال؛ زمن القصة وفيه تتم مراجعة العلاقة القائمة بين زمن القصة وزمن الخطاب؛ ومظاهر السرد وتتصل بدراسة وتحليل الطريقة التي يدرك من خلالها الراوي نص الحكاية؛ أما صيغة السرد فتتعلق بالكيفية التي يوجه بها الراوي خطابه، والصيغة التي يطلعنا من خلالها على مضمون الحكاية.
أ) ـ زمن السرد
يعد الزمن من بين الانتظامات الأساسية التي تميز بين الحكاية والخطاب، فالجوهر الأساسي في الأحداث هو نظام وقوعها المنطقي والسببي، ولذلك فإن المستوى الأولى للحكاية يخضع لنظام توالي الأحداث كما وقعت بالفعل. أما في مستوى الخطاب فإن ذكر الأحداث يتم التحكم فيه من قبل السارد، وبالتالي فإن النظام الأساسي يصبح خاضعاً لاعتبارات أخرى يحددها الراوي، فتنتكس المتوالية الحديثة وتتلاشى لحساب بنية جديدة يحددها المقام السردي. وهذا الوضع الجديد الناتج عن تغيير المتواليات الفعلية والحدثية هو الذي يميز أهمية القصة.
وهذا المنطق الذي يؤكده الشكلانيون الروس في تحديدهم لمفهوم الخطاب السردي، يعتمده تودوروف منطلقاً للتمييز بين أشكال ترتيب الأحداث في الخطاب السردي، التي تتوزع إلى ثلاث صيغ هي: التسلسل، والتضمن، والتناوب.
ـ فالنسبة للتسلسل أو التتالي
(Enchaînement)، فإن السرود الصغرى أو الحكايات يتوالى سردها الواحدة تلو الأخرى، ولا يتم الانتقال إلى الثانية إلا بعد اكتمال الحكاية الأولى. ويتميز هذا الخطاب بالتشابه في بنية كل حكاية من حكاياته.
ـ أما التضمن (Enchâssement)، فيتعلق بالخطاب السردي الذي تتضمن فيه الحكايات الأساسية حكايات أخرى بداخلها، وتشكل قصص ألف ليلة وليلة أفضل نموذج لهذا الشكل من الخطاب:
ـ والنموذج الثالث والأخير الذي يحدده تودوروف يسمى التناوب (Alternance)، ويتحقق هذا الشكل من السرد عندما يتعلق الأمر بسرد قصتين، حيث يتم التوقف عند نقطة من الحكاية الأولى ليتم الانتقال للثانية، ثم العودة للحكاية الأولى وهكذا إلى نهاية السرد(Cool.
ويشير تودوروف في نهاية كلامه عن زمن الخطاب، إلى زمن الملفوظية (زمن الكتابة)، وزمن التلقي (زمن القراءة) باعتبارهما يتفاعلان بصورة أو بأخرى من خلال التواصل مع النص السردي.
I. II. 1 ـ مظاهر السرد Les aspects du rècit
تتطلب دراسة النص السردي البحث في الكيفية التي يتم بها التقديم والإخبار عن الأحداث داخل القصة، وهذا يتم بربط العلاقة بين "هو" الحكاية، و"أنا" الخطاب. وبصيغة أخرى بين من يؤدي الأفعال في الحكاية (الشخصية)، وبين من يقدمها (السارد) أو الراوي. وتتحدد تسمية هذا الفعل بـ "الرؤية". ويقدم تودوروف في هذا الصدد التقسيم الثلاثي المتكامل الذي اقترحه جون بويون (Jean Pouillon) في كتابه "الزمن والرواية"(9)، مع إجرائه لبعض التعديلات البسيطة، حتى يحدد أشكال العلاقة القائمة بين الراوي وما يرويه عن الشخصيات. وتتمظهر هذه العلاقة في ثلاث حالات:
أ) الراوي الشخصية: (الرؤية من الخلف vision par derrière) في هذه الحالة تكون معرفة الراوي أكثر من معرفة الشخصيات، فهي لا تملك أسراراً بالنسبة له، إنه يعرف ما قامت به، وما ستقوم به، أو ما تفكر فيه؛ فالشخصيات لا تملك أسراراً بالنسبة للراوي، الذي يقرأ أفكارها ويرى من وراء الجدران.
ب) الراوي = الشخصية: (الرؤية مع vision avec)، في هذا النوع من الرؤية تتساوى مع معرفة الراوي والشخصية، حيث لا نطلع على الأحداث إلا وقت وقوعها، كما أنه لا يمكننا معرفة مواقف وتعليقات الشخصيات إلا لحظة قيامها بذلك. وسواء تمت عملية السرد بضمير المتكلم، أو ضمير الغائب، فإن بنية الرؤية مع الموقع الذي يتخذه الراوي لا يتغير.
ج) الراوي = الشخصية: (الرؤية من الخارج vixion par dehors) في هذا النوع من الرؤية تكون معرفة الراوي بالشخصيات محدودة جداً، وحقيقتها غائبة عن إدراكه الكلي، وهو لا يقدم لنا منها إلا ما هو ظاهر للعيان، وهذه الرؤية نادرة جداً في السرد القديم والحديث، ولا نكاد نعثر على نماذج تامة إلا قليلاً.
وبالإضافة للمقترحات السابقة في مجال أنواع الرؤية، يشير تودوروف إلى نوع رابع يدعوه الرؤية المتعددة الأوجه أو الرؤية البانورامية vision stèrèoscopique (10)، وتكون هذه الرؤية قائمة في الحالات التي يقوم فيها الراوي بالانتقال بين الشخصيات، ويقدم لنا رؤاها المتعددة حول موضوع واحد أو حادثة واحدة، فنحصل على رؤى مختلفة لشخصيات شتى في مواجهة نفس الحدث.
I.II 2 ـ صيغ السرد les modes du rècit:
إذا كانت دراستنا للقسم السابق المتعلق بمظاهر السرد، وتناولنا درجة المعرفة المتداولة بين الراوي والشخصية، فإننا في ما يتعلق بصيغ السرد سنركز على الطريقة التي يتم عبرها استقبال الراوي للحكاية، ومن ثم إبلاغها للمتلقي. وتتطلب هذه العملية الإبلاغية تقنية خاصة تتصل بجملة من التوجيهات القائمة في مستوى علاقة الراوي بما يروي، وبنوعية الإخبار ودرجته.
وكما يقول تودوروف فإن السارد أو الراوي أمام حالتين اثنتين: فإما أن "يرينا" (montre) الأشياء، أو أن "يقولها" (Dire). وانطلاقاً من هذين الوضعين الخطابيين تتحدد صيغتان أساسيتان هما: السرد والعرض؛ ففي حالة العرض وهو الشكل الأكثر تجاوباً منذ القديم مع النصوص الحكائية، يتم نقل الأحداث والإخبار بها من طرف الراوي الذي يعد موقفه في هذه الحال الأولى مجرد وسيط سلبي؛ أما الحالة الأساسية الثانية، وهي صيغة العرض، فإن أصولها متصلة بالدراما، أين تكون الأحداث ممسرحة ومعروضة أما الجمهور المتلقي، الذي يتواصل معها دون أي وساطة من الراوي.
إن العلاقة القائمة في مستوى الخطاب السردي بين صيغتي السرد والعرض، تتخذ بعداً مفهومياً يحدد الفرق بين كلام الشخصية وكلام الراوي؛ فحين نكون بصدد الكلام الذي تقولـه الشخصية، فإننا هنا بصدد الخطاب المباشر، وبالتالي يكون إحساسنا بأننا أمام مشهد تقوم فيه أفعال حقيقية سواء أكانت هذه الأفعال كلامية أم ممارسة حدثية. ويتميز الخطاب في هذه الحال بالاستقلالية والتفرد، ويعكس الأبعاد السيكولوجية واللسانية للمتكلم من خلال التلفظ(11).
أما في الحالة الثانية والتي يكون فيها الخطاب منقولاً من طرف سارد غير المتكلم الأصلي، فإننا نكون إزاء فعل سردي يتميز باللامباشرة، ويكون المتلقي أو المستمع في وضعية خطابية مختلفة؛ حيث لا يتلقى من حقيقة السرد إلا ما يقدمه له الراوي، ويكون الخطاب في مستواه التلفظي اللغوي خاضعاً لذاتية الراوي، الذي يمكنه أن يتصرف في الخطاب المنقول، سواء بتقديمه متماهياً مع خطابه، أو بالتقديم له أو التعليق عليه. وفي هذه الحالات نكون أمام تنويعات للصيغة السردية الأساسية، في شكل صيغ سردية صغرى.
لقد حدد تودوروف من خلال العرض السابق المستوى الإجرائي في دراسة النص السردي، وغايته في ذلك الإمساك بالبنية الأدبية للنص، بوصفه قيمة أساسية تتحكم في كل العلاقات البنائية الأولية. وكما سبق وأن أشرنا في بداية الحديث عن مسعى تودوروف البنيوي، فإن استلهاماته المنهجية في المقاربة السردية السابقة تتقاطع مع مجمل منظّري النقد البنيوي الجديد. ويؤكد التنويع الذي عرفته الكتابة النقدية اللاحقة استمرارية في تطوير الأداة الإجرائية، وتجاوز بعض الزلات التي تكون قد حدثت. ولذلك يمكننا أن نلحظ هذا التنويع المنهجي في الانتقال من مستوى النظرية البنيوية إلى مفاهيم شمولية أوسع هي مفهوم الشعرية، الذي بدأ مساره الأول على يد الناقد الشكلاني واللساني رومان جاكبسون. وقد تناول تودوروف مفهوم الشعرية ضمن أثرين هامين نشرا على التوالي كما أشرنا سابقاً هما: كتاب "الشعرية"، وكتاب "شعرية النثر". وكان لهذين الكتابين صدى كبير في أوساط النقد العربي المعاصر، وسنسعى لتقديم الملامح والمنطلقات التي ميزت رؤية تودوروف للشعرية.

III 1ـ شعرية السرد والنحو السردي:
ينطلق تودوروف من البحث في الخصائص الأدبية عموماً، ليصوغ مفهوماً عاماً لما يسميه "الشعرية" (POETIQUE)، التي يحدد موضوعها بأنه ليس هو العمل الأدبي بل البحث في خصائص الخطاب الأدبي، بوصفه تمظهراً لبنية مجردة وعامة(12).
فالشعرية لا تسعى لتحديد المعنى في النص الأدبي، بل تعمل على إقامة قطيعة بين التأويل والعلم في حقل الدراسات الأدبية، عبر البحث في القواعد التي تتحكم في نشأة هذه الأعمال. وهذا المفهوم الذي يعتمده تودوروف يلتقي بصورة واضحة مع مفهوم "الأدبية الذي وضعه جاكبسون، ويتقاطع كذلك مع ما أطلق عليه رولان بارت مفهوم "علم الأدب"(13).وتغدو الشعرية من هذا المنظور سعياً لإقامة نظرية تتناول تحديد البنية النصية وصيغ اشتغال الخطاب الأدبي، ومجال الشعرية لا يمكن أن يخص جزئية من العمل الأدبي، بل يتناول بالدراسة البنيات العامة المجردة التي تتمثلها النصوص الأدبية كالوصف، أو الأفعال، أو السرد(14). ويقترح تودوروف لدراسة النص الأدبي جملة من المظاهر والمستويات، التي يرى بأنها الأكثر ثباتاً واستقراراً في الخطاب الأدبي، وهي المستوى الدلالي، والمستوى اللفظي، والمستوى التركيبي.
وقد وضح أبعاد هذه المستويات في كتابه "الشعرية"، فيشير إلى أن:
أ ـ المستوى الدلالي: في هذا المستوى الذي يرى تودوروف أنه لم ينل حظه من الدراسات النصية السردية، يمكن أن يتم كشفه من خلال البحث الدلالي عم مجموعة من المظاهر هي: المظهر المرجعي والمظهر الحرفي والمظهر المادي(15).
ب ـ المستوى اللفظي: أما فيما يخص المستوى اللفظي، فإنه يتعلق بدراسة سجلات الكلام، التي يعبر من خلالها السارد عن القصة وطبيعة اللغة المستعملة، وهذا التوظيف اللغوي للسارد يطبع لغة القصة بجملة من المقولات هي الواقعية والتجريد، الحقيقة البلاغية، التناص، وأخيراً الذاتية(16). كما أن المستوى اللفظي يحدد دراسة الانتقال من الخطاب إلى السرد من خلال أربع مظاهر هي الصيغة والزمن، وجهة النظر أو الرؤية، والصوت السردي،
ففي المظهر المتعلق بالصيغة (Mode) يمكننا أن نميز بين مظهرين كان قد ميز بينهما أفلاطون هما المحاكاة "سرد تمثيلي دون تلفظ" (diègèsis)، وهذا النوع من السرد غير المتلفظ لا يتطلب تنويعاً صيغياً. والحكي التام "سرد متلفظ" (mimesis)، ومن خلال مظهر الحكي التام تتغير أوضاع ومنطلقات السرد في علاقته بالسارد، إلى ثلاثة أشكال هي:
ـ الأسلوب غير المباشر: وفيه يتم الاحتفاظ بمحتوى ومضمون الخطاب ويدمج كخطاب في سياق السرد ضمن خطاب السارد.
ـ الخطاب المروري: وهو خطاب ينقل محتواه دون أي احتفاظ بألفاظه.
فمستوى الصيغة يتمثل في تحديد درجة الارتباط القائمة بين الخطاب ومرجعه(17).
أما المظهر المتعلق بالزمن، فإنه يتناول الزمن في خصوصياته النصية والواقعية والوقائعية الحدثية. ويرى تودوروف أن الزمن عنصر يسمح بالانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التخييل، ويميز في ذلك بين مظهرين أساسيين للزمن هما زمن الأحداث، وزمن الخطاب. ويستعير تودوروف الفرضيات الشكلانية التي تميز بين نظام تتالي الأحداث، وبين نظام ترتيبها في الخطاب. كما يستفيد من تقسيمات جيرار جينيت (Gèrard Genette)، ويعطينا مجالات دراسة الزمن فيحددها ضمن مقولات النظام والمدى والتواتر.
ففي مستوى النظام الزمني (Ordre) نجد شكلين للحضور هما: الاسترجاع أو العودة إلى الخلف (retrospections)، والاستشراف (prospections) أو التوقع المستقبلي. أما في مستوى المدة (durèe) فإن تودوروف يقترح التوصيفات الزمنية الآتية:
1ـ تعليق الزمن أو الاستراحة (pause): وتكون عندما لا يشتمل زمن الخطاب على أي زمن حدثي، ويكون مجالاً للوصف أو التأمل.
2ـ الحذف (Ellipse): وهي الحالة العكسية للسابقة، والزمن السردي هنا الزمن السردي لا يتضمن أي جزء من الزمن الحدثي التخييلي، إنه إغفال مرحلة زمنية وعدم ذكرها.
3ـ المشهد (Scène): وهو حالة تطابق بين زمن الخطاب وزمن الأحداث.
4ـ الخلاصة (Résumé) والوصف الاسترجاعي (la description anachronique)، وهذان المجالان الزمنيان لهما علاقة إجالية بالمستوى الحدثي التخييلي، لمدة تطول أو تقصر؛ فالخلاصة تختصر سنوات بأكملها في جملة واحدة؛ والوصف الاسترجاعي قد يصعب معه تمثيل الأحداث في نفس قيمتها الزمنية(18).
وفي المجال الأخير لدراسة المكون الزمني في الخطاب السردي، وهو مجال التواتر (Frèquence) يرى تودوروف أنه يمكننا من خلاله تحديد ثلاثة مظاهر للسرد هي:
1ـ السرد المفرد (Singulatif): وفيه نلاحظ أنّ خطاباً واحداً يسرد حادثة واحدة.
2ـ السرد التكراري (Rèpètitif): وفيه تسرد عدة خطابات حادثة واحدة.
3ـ السرد المتشابه (ltèratif): ويمثله خطاب واحد يسرد عدة أحداث متماثلة(19).
أما فيما يتعلق بالمظهر الأخير من مستوى اللفظي، فينتقل تودوروف للإشارة إلى الرؤية، ويتحدد من خلالها ضرورة تحديد السارد سواء بضمير المتكلم أو الغائب، وطبيعة العلاقة التي يقيمها مع سرده، هل تتسم بالذاتية أو الموضوعية. كما ندرس في سياق الرؤية، جانباً أساسياً هو موقع أو زاوية الرؤية وامتدادها ودرجة عقمها، وهل هي داخلية تقدم لنا كل المعلومات عن الشخصية أم خارجية تكتفي بوصف الأفعال المدركة دون إضافة أي تعليق. كما أن الحديث عن التبئير يشكل العنصر الأخير من مستوى الرؤية، حيث نصادف في السرد ذي التبئير الداخلي (Focalisation interne)، صفة الراوي العليم (Narrateur omniscient)(20).
I.III . 1ـ المستوى التركيبي:
ليس المقصود بالتركيب في هذا المجال، عملية التركيب النحوي الجملي البسيط، فهو يتخذ طابعاً تأليفياً لإنجاز تراكيب مختلفة من العلاقات بين مختلف المكونات النصية، سواء أكانت جملاً، أم مقاطع، أو مكونات زمانية أو مكانية. ولذلك يصف تودوروف هذا المظهر من شعرية النص، بالبنيات السردية. ويقسمه إلى ثلاثة أنظمة هي: النظام المنطقي، والنظام الزماني والنظام المكاني.
وتستفيد هذه الانتظامات من خصوصية السياق السردي للنص، فقد تتحدد من خلال حضور مستقل لكل عنصر وانفراده بالسرد، وقد تتعاصر داخل النص السردي، لكن عبر مقولة الهيمنة التي تغلب حضور مظهر على حساب آخر.
1.III. 2 ـ السردية أو نحو السرد narratologie:
في دراسته التي تحمل عنوان "نحو السرد الديكامرون" (Grammaire du rècit) عمل تودوروف على توسيع أفق الأبحاث السردية، انطلاقاً من تحديد البنيات المجردة، التي تقوم عليها المنظومة السردية بصورة عامة. واستند في ذلك إلى الإمكانية التي يتيحها النموذج اللغوي من تصنيفات وعلاقات وقواعد ثابتة. وكان لفكرة النحو العالمي التي عرفها مجال الدراسات اللغوية، دور كبير لإنجاز قواعد تحكم بنية كل اللغات الإنسانية، وهي ما يعرف بالبنية الأساسية العالمية أو النحو العالمي. وإذا كانت اللغة هي نظام رمزي بالأساس، وتمتلك جهازاً مفاهيمياً كبيراً لدراستها، فإنه بالإمكان الاستفادة من هذا الجهاز، لإقامة نحو سردي عالمي، "خاصة وأن القصة هي نظام رمزي يمكننا من استعارة القواعد اللغوية لدراسته"(21).
وينطلق تودوروف في البحث عن البنيات المجردة للنظام السردي، مستعيراً المصطلحات المحددة للنظام اللغوي من اسم وفعل وصفة وأسماء العلم، موجهاً الدراسة لتتخذ محاور ثابتة هي المستوى الدلالي (sèmantique) والمستوى النحوي (syntaxique) والمستوى اللفظي (verbal). وقد يبدو أن هذا المسعى يرفع للتناظر بين القاعدة اللغوية والبنية السردية، إلى حدود قصوى تتناسب مع الأطروحة البنيوية المركزية، التي ترى أن الأدب هو التجلي الأمثل للغة(22).
كما أن المسعى القائم لدى تودوروف والمتوخى من هذا التناظر المجسد، هو العمل على إقامة نظرية أو علم للسرد على غرار علم اللغة. "ويقدم تودوروف أكثر القضايا حيوية في دراسته عن "ديكامرون بوكاشيو" بعنوان "أجرومية الديكامرون" وهي دراسة تكشف بهالتها العلمية عن محاولة تأسيس نحو عام للقص انطلاقاً من موقف موضوعي واثق بموضوعيته وسوف نرى أن هذا الموقف هو ما تضمنته مواقف ما بعد البنيوية"(23).
ويتأسس النموذج الذي يقترحه تودوروف في "نحو السرد" على إقامة تناظر بين تقسيمات اللغة ومكونات السرد. حيث نجد أن المستوى الدلالي تقابله بنية المضمون السردي، أما المستوى اللفظي فيتعلق باللغة التي تروى بها الحكايات، بينما يتناول المستوى التركيبي العلاقة القائمة بين الأحداث. وهذه القضايا أشرنا إليها سابقاً حيث تقديمنا لمحاور البحث في الشعرية عند تودوروف. غير أنه من المفيد الإشارة إلى التحديدات التي قدمها بخصوص بنية التركيب اللغوي والتركيب السردي.
أ ـ إن المسندات (prèdicats) تقوم بدور وظيفي في تحديد حركة الانتقال السردي؛ فبالنسبة للعقدة الأولية (intrigue) نجد أن الانتقال من حالة توازن إلى أخرى تتم من خلال حالة التوازن الأولي، التي تميز كل نص سردي، هذا التوازن يختل بتدخل قوة أخرى، غير أن وضعية التوازن تعود بفضل قوة معاكسة، مما يعني أن النص يعيش ثلاث حالات هي:
1) حالة توازن 2) اختلال 3) حالة توازن(24)
غير أنه من الملاحظ أن حالة التوازن الثانية مخالفة في نوعيتها للحالة الأولى. لذلك يمكننا إعادة صياغتها وفق مخطط تجريدي يكون كما يأتي:
وضع ابتدائي ـ تحول ـ وضع نهائي.
واستناداً لذلك يميز تودوروف بين مستويين من المقاطع (Episode).
المقاطع التي تبين الحالة (توازن، واختلال) والمقاطع التي تبين الانتقال من حالة لأخرى، أو من وضع لآخر، وتتميز المقاطع الأولى بالطابع السكوني، في حين تكون المقاطع الثانية ديناميكية، وهذه المقاطع وتصنيفها تسمح لنا بمناظرتها مع الصفة والفعل، حيث تكون وظيفة "الصفات" السردية هي تحديد حالات التوازن واللاتوزان، في حين تقوم "الأفعال" بمجاراة الانتقال من حالة لأخرى.
أما فيما يتعلق بالأسماء (Nomm proper) والتي تعد اسماً نحوياً، وليس اسم علم. حيث يوضع تودوروف أن المقصود بـ Nom Propre هو الاسم في النحو، فإن وظيفتها تتخذ بعداً تجريدياً، قابلاً لأن تحدد من خلالـه شخصيات مختلفة من الفاعلين، فالقاعدة الأساسية لدراسة بنية العقدة في القصة هو القيام بتلخيصها، حيث تكون كل حادثة عبارة عن شبه جمل طرفاها فاعل وموضوع، ويجب تحديد مستويين لهما، هما: التعيين (Description) والوصف (Dènomination).
فعبارات مثل "ملك فرنسا"، الأرملة، الخادمة تحدد في ذات الوقت شخصياً بعينه، وتقدم في آن بعض خصائصه وصفاته، وتتفاعل هذه القيم نحوياً عندما نتعرض للمثال: "ملك فرنسا، يذهب في سفر le roi de France Part en voyage "؛ فالجملة السابقة في مستوى التعيين والوصف تقدم عبارتين، الأولى تحدد أن "س" هو ملك فرنسا، و"س" سيذهب في سفر. وهذه الأشكال التي يمكن أن يملأها المسند هي أشكال فارغة، وقد توظف الاسم الموصول للتعيين عند استعمالنا لـ: "الذي". ويقرر تودوروف أن هذه البنيات الشكلية النحوية: اسم فعل، صفة، ضمير.... يمكن تمثلها لدراسة النص السردي(25).
يتضح لنا أن النحو السردي صيغه بنائية، تسعى لوضع قواعد قارة وثابتة في قراءة النص السردي، تنطلق من تصنيفات أولية، وتصنيفات ثانوية. فالتصنيفات الأولية تتعلق بعناصر الكلمة أو الجملة لتنتقل إلى المقطع السردي ثم النص، وهي المجموعة القصصية "الديكامرون" للكاتب الإيطالي جيوفاني بوكاشيو (1313 ـ 1375). فبنية الجملة تتكون من اسم وفعل وصفة، وضمير، وظرف زمان أو مكان، ووفقاً لهذا فإن الشخصيات القصصية تصبح أسماء، والخصائص المتعلقة بهذه الشخصيات تصنف على أنها نعوت، والأحداث التي تقع لها تؤخذ بمنزلة الأفعال. وهذه التصنيفات تخضع بدورها إلى تقسيمات تسهم في بناء الجملة السردية، وتحدد صيغ النعوت إلى:
وصف الحالات (سعيد، تعيين فرح...) وصف الخصائص الداخلية (فضائل، رذائل)، وصف الصفات الخارجية (ذكر، أنثى، من أصل نبيل، من عامة الناس)، أما الأفعال فترد إلى ثلاثة:
أـ يغير من الوضع
ب ـ يرتكب جرماً
ج ـ يعاقب (26)
وإذا انتقلنا إلى المستوى الأعلى من الجملة وهو المقطع (Sèquence) فإنه يتشكل من متوالية من الجمل التي تنشئ قصة، وتكون العلاقة القائمة بين الجمل زمنية أو منطقية أو مكانية، وتكون مهمة المقطع هي: وصف حالة الاضطراب والتوازن، أو وصف حالة الانتقال من حالة لأخرى(27). وإذا انتقلنا لمستوى النص فإن تودوروف يقدم ثلاثة ممكنات للتفاعل الجملي، هي التسلسل والتضمن والتداخل.
وينتقل تودوروف إلى مستوى آخر هو التحويلات السردية (هنري جيمس) les (transformations narratives). وهذه التحويلات تتخذ قاعدة لها المفاهيم السابقة، لتصبح تحويلات في مستوى التركيب السردي، والعلاقات القائمة بين الحالة والتحول والانتقال هي بين الصفات والأفعال والأسماء. وتتدرج عنها جملة من الوضعيات الخاصة بالصوت السردي، والمطهر والصيغة السردية، ويمكننا أن نذكر هذه التحويلات كما قسمها تودوروف إلى قسمين هما(28):
أ ـ التحويلات البسيطة (Simples): وتشمل تحويلات: الصيغة بتفريعاتها (الحدوثية، الوجوبية، التمني، الشرط، التنبؤ):
ـ تحويلات القصد: النية تعلق إلى القضية المراد تحقيقها وليس إلى الفعل بحد ذاته عزم، حاول، صمم (فعل في حالة نشوء).
ـ تحويلات النتيجة: تتعلق بتمام الفعل؛ نجح في، وفق إلى
ـ تحويلات الطريقة الكيفية: وألفاظه هي يبادر، يستميت، يتحرق.
ـ تحويلات المظهر الأوجه: ويعبر عنها بأفعال مثل شرع، كان بصدد، انته وهي أفعال تعبر عن حالات الحدث: البداية، النهاية، الانخراط في الحدث.
ـ تحويلات الوضع والحالة: والمقصود هنا (Statut) أي تحديد الوضع عن طريق النفي بمعنى إحلال الصيغة السلبية مع الصيغة الإيجابية.
ب ـ التحويلات المركبة (Complexe): وتتعلق بوجود محمول ثان يضاف للمحمول الأول ويرتبط به، مما يعني تجاوز ذاتي معاً، تتبادل الوضعيات السردية من خلال التحويلات البسيطة.
وينقسم إلى ستة أقسام، هي:
1ـ تحويلات الظاهر Apparence: وتتعلق باستبدال مسند بآخر، دون أن يكون ذلك حقيقياً، وصيغه: يدعي، يزعم وهي أفعال قائمة على أساس التمييز بين المظهر والحقيقة، س أو ص (زعم أن س) ارتكب جريمة.
2ـ تحويلات المعرفة Connaissance: وتتعلق باكتساب الوعي بالحدث وصيغه: لاحظ، علم، تنبأ، عجز عن تذكر حدث س أو ص (يعلم أن س) ارتكب جريمة.
3ـ تحويلات الوصف description: وهي تحويلات تكمل التحويل الثاني (المعرفة)، ويشمل أساساً أفعال القول: يحكي، يقص، يقول، يعلن، يشرح، يذيع. ومثالها س (أو ص) يحكى بأن س ارتكب جريمة.
4ـ تحويلات التقدير والافتراض Supposition: وتخص هذه التحويلات الأفعال غير المنجزة التي يعبر عنها بأفعال، وصيغة مثل يتوقع، يتوجس، يشك، والصيغة التنبؤية تجعل هذه الأفعال متعلقة بالمستقبل، مثلها في ذلك أفعال تحويلات النية، الصيغة، المظهر، ومثالها: س (أو ص) توقع أن س سيتركب جريمة.
5ـ تحويلات الشخصية أو المنسوبة إلى ذات Subjectivation: إذا كانت التحويلات السابقة تتعلق بالخطاب وموضوعه. فإن هذا التحويل يخص موقف الذات، ولا يغير القضية الأساسية، وتعبر عنه أفعال: أعتقد، فكر، تشكل لديه انطباع، اعتبر، قيم، ومثالها س (أو ص) يعتقد أن س ارتكب جريمة.
6ـ تحويلات السلوك الحالة Attitude: هذه التحويلات تخص حالة المسند، لأنها تبين ما يحدث لدى الفرد أثناء وقوع الحدث، ويختلف هذا التحويل عن "تحويل الكيفية"؛ في أن المعلومة هنا تخص المسند، أي الذات وأفعال هذا التحويل: يبتهج، يسر يستاء. ومثالها (س يسر بارتكاب جريمة).
إن المسارات السابقة تؤكد على مدى الجهد الذي بذله تودوروف من أجل إعطاء صورة متكاملة للنحو السردي، القائم أساساً على فرضين أساسيين، أخذهما عن يروب هما الحالة والتحول، وهي محاولة واضحة لوضع المسار السردي موضع اختيار من حيث تركيبه الذي لا يختلف باختلاف اللغات والثقافات، استناداً إلى القيمة الأساسية وهي "الإخبار". ولذلك يقول تودوروف في ختام دراسته لقصص الديكامرون: "إن هذه الأمثلة كافية لإعطائنا فكرة عن النحو السردي، وحالة الدراسات السردية تتطلب منا صياغة جهاز وصفي، قبل البدء بمقاربة الأفعال
(29). وهذا بالفعل ما فعله حين قام بمراجعة الوظائف التي اخترعها بروب في كتابه مورفولوجيا الحكاية"، واكتشف أن هذه الوظائف قابلة للاندماج انطلاقاً من تشابه التحويلات القائمة فيها.
وإذا كان ما قدمه تودوروف يمثل مساراً تجاوز الأطروحات الأولى في بنية الحكاية، واستثمر مبدأ عاماً هو النحو السردي، فإن التفاعل الذي عرفته الدراسات السردية المعاصرة واللاحقة، قد أعطت أبعاداً أخرى وتقطيعات نمطية مثيلة، لكن غير متشابهة أحياناً، منها ما قدمه جيرار جينيت وكلود بريمون وهنري ميتران، الذين سيشكلون امتدادات طبيعية ومنطقية لأطروحات النقد الجديد في فرنسا، والموجه أساساً لدراسة مكونات الخطاب السردي.
ويرى كلود بريمون في كتابه "منطق السرد" أن تودوروف في كتابه "نحو الديكامرون"، لم يقم بعمل فيلولوجي تاريخي، ولا حتى دراسة أدبية، بل إنه من خلال مئة قصة لبوكاشيو تصدى لإقامة قواعد لموضوع كانت المعرفة به قليلة، هو فن "القصة" التي نظم وضبط مظاهره، ووضع أساساً لعلم غير موجود هو السردية، أو علم السرد Narratologie.(30).
1- Tzvetan Todorov: thèrie la literature: editions seuil, paris 1965.
*ـ نشر هذا الكتاب عام 1965، وهو عبارة عن مقالات جمعها تودوروف تعبر عن فكار الشكلانيين الروس، منهم تينيانوف، توماشسكي، شلوفسكي..
2- Tzvetan Todorov: les categories du rècit littèraire: in Communication n 8. 1966, page 133.
3- ibid: page 132..
4- Tzvetan Todorov: les categories du rècit littèraire: in communication n 8, 1966, page 133.
5- Tzvetan Todorov: les categories du rècit littèraire: in communication n 8, 1966, page 136 .
6ـ السيد إبراهيم: نظرية الرواية، دار قباء للنشر والتوزيع القاهرة 1998 ص 64.
7- Tzvetan Todorov: poètique du rècit du Seuil 1971 page 47.
8- Tzvetan Todorov: les categories du rècit littèraire in Communication 8 1966, page 146.
9- jean pouillon: temps et roman, edition Gallimard 1946.
10- Tzvetan Todorov: les categories du rècit littèraire: op. cit, 1966, page 148.
11- ibid. p: 150.
12- Tzvetan Todorov: Poèique, editions du Leuil 1968, page 19.
13ـ رولان بارت: نقد وحقيقة، ترجمة منذر عياش، ص 91.
14- Tzvetan Todorov: Poèique, editions du Leuil 1968, page 24.
15- Tzvetan Todorov: Poèique, editions du Leuil 1968, page 29.
16- Tzvetan Todorov: Poèique, editions du Leuil 1968, page 46.
17- Ibid. p: 52.
18- bid page 55.
19-Ibid page 56.
20- Ibid page 61.
21- Tzvetan Todorov: Poèique de la prose, editions du Seuil 1971, page 48.
22ـ آن جيفرسون وديفيد روبي: النظرية الأدبية المعاصرة، ص 173.
23ـ رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة ص 100.
24- Tzvetan Todorov: Poèique de la prose Page 50.
25- Ibid page 52.
26ـ السيد إبراهيم: نظرية الرواية ص 45.
27- T.Todorov. poètipue rècit page 55.
28ـ انظر: عثماني الميلود: شعر تودوروف الصفحات 59 ـ 61، والسيد إبراهيم نظرية الرواية ص 54 ـ 60.
29- (T) T.Todorov. la Grammaire du Rècit in poèque de la prose page 57.
30- Claude Bremond: logique du rècit, editions seuil, paris 1973, page 103.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف مرسى الرياضة
مشرف مرسى الرياضة


البلد :
عدد المساهمات: 7205
نقاط تميز العضو: 131098
تاريخ التسجيل: 10/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: شعرية السرد والنحو السردي تزيفيتان تودوروف   22/09/11, 11:05 pm

بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بوعلام م
مشرف المرسى الجامعي


البلد :
الجنس: ذكر
عدد المساهمات: 374
نقاط تميز العضو: 28761
تاريخ التسجيل: 08/09/2011
العمر: 31

مُساهمةموضوع: رد: شعرية السرد والنحو السردي تزيفيتان تودوروف   23/09/11, 11:24 pm

شكرا لمرورك ودمت رائعا


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

شعرية السرد والنحو السردي تزيفيتان تودوروف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مرسى الباحثين العرب ::  ::  :: -