مرسى الباحثين العرب

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
،سعدنـــــــــــا بزيارتـــــــــــــــــك
ونسعد أكثر بانضمامـــــــــــــــــــــك للباحثين أمثالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك

التســــــــــجيل لن يأخذ من وقتك الثمين إلا لحــــــــــــــــــــــــــــــظات
شكرا
ادارة المنتدي


مرسى الباحثين العرب
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولتسجيل الدخول

حفظ البيانات؟
شاطر | 
 

 الاغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الأمل المفقود
عضو جديد
عضو جديد


البلد :
الجنس: انثى
عدد المساهمات: 11
نقاط تميز العضو: 22952
تاريخ التسجيل: 02/03/2011

مُساهمةموضوع: الاغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي   25/03/11, 11:39 am

  1. l">السلام عليكم :
    أريد المشاركة ببحث بسيط لعلي أفيد به البعض وإنشاء الله يكون في المستوى المطلوب .

    المبحث الأول: بوادر التجديد في العصر العباسي
    المطلب الأول: الأغراض الشعرية القديمة وتطورها في العصر العباسي

    كان الشعر في الجاهلية انطلاقة النفس في شتى أحوالها المكانية و الزمنية، يرافق النفس في نزعاتها الفطرية و تطلعاتها القبلية ولما كان العهد الأموي انتقل الشعر من عالم النفس الفردية والقبلية إلى عالم السياسة العامة والسياسة الحزبية, يتلون بألوانهما ويخضع كل شيء لهما إلاّ ما انفلت منه في البوادي القاسية ,والحواضر المبعدة عن سلطان السياسة .
    وما إن أطلّ العهد العباسي بحضارته الجديدة ,ودكتاتوريته الكسروّية واعتماده على النظم الفارسية في الحكم ,وابتعاده عن التقاليد العربية ,وانصرافه عن العصبية القبلية , حتى أغضى عن سياسة الشعر والشعراء.
    وعندما خرج الشعر عن الدولة العصّبية والسياسة تحوّل إلى زينة اجتماعية ,أو وسيلة كسب وتعبير عن واقع الحياة وآمال الشعب وآلامه ,وبهذا انقلب الشعر في العهد العباسي انقلابا شديدا من حيث العامل والغاية وإن كانت له منزلة رفيعة وتذوّق شديد.(1)
    حيث أن الأغراض القديمة كالمدح والرثاء والغزل والهجاء والوصف ظلت هي الأغراض الأساسية للشعر في هذا العصر لكن الشعراء وجدوا فيها مجالا واسعا للتطور والتجديد.
    فالمدح كان غرضا شعريا معروفا منذ الجاهلية ,وأصبح في العصر العباسي ذا طابع تكسبي ،حيث ارتبطت به معان خاصة كالشجاعة والكرم والنبل وقد حافظ الشعراء العباسيون على هذه الصفات لكنهم توسعوا في الصفتين الأوليتين خاصة فشقوا لهم فيها معاني وطرائف جديدة تتناسب والروح الجديدة ثم أضافوا إلى ذلك صفات أخرى ألحوا عليها , وأهم هذه الصفات الجديدة التركيز على المعاني الإسلامية في مدح الخلفاء والوزراء على نحو لم يعهد عند الشعراء السابقين عليهم, من ذلك قول البحتري في المتوكل :
    يا باني المجد الذي *** قد كان قوض فانهدم
    اسم لدين مــحمـــد *** فإذا سلمت فقد سلــم (2)

    ________________________________________
    ([size=9]1)- حناّ الفاخوري ، الجامع في تاريخ الأدب العربي , د ط،، دار الجيل، ص667 .
    (2)- مصطفى السيوفي , تاريخ الأدب في العصر العباسي , الدار الدولية للاستثمارات الثقافية , القاهرة , مصر , ط 1 , 2008 , ص37.


    وأما الرثاء وهو مدح الميت فقد ظل التركيز فيه كالمد على المعاني الإسلامية , ولعل أجود ذلك الرثاء الذي وجهه الشعراء في أبطال المسلمين الذين استشهدوا من أجل أن يظل الإسلام سيدا , ومنه قصيدة أبي تمام في محمد بن حميد الطوسي التي منها قوله :
    كذا فليجل الخطب وليفد الأمر **** فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
    توفيـت الآمـال بعـــد محمــــد **** وأصبح في شغل عن السفر السفر(1)
    وشهد العصر العباسي رثاء جديدا هو رثاء المدن المنكوبة .ونذكر منها النكبة التي لحقت ببغداد البصرة زمن المعتمد إذ أوقع بها الزنج سنة 658 فقتلوا من أهلها عددا عظيما وأحرقوا أكثر مبانيها وقد رثاها ابن الرومي بقصيدة مشهورة منها قوله:
    ذاد عن مقتلي لذيـــذ المنـــــام **** شغلــها عنه بالدموع السجام
    أى نـوم من بعد ما انتهك الزنج *** جـــهـــارا محــارم الإســـلام(2)
    أما الهجاء وأهم ما يلاحظ فيه هو تحويله عن الطريقة التقليدية القديمة التي تميل إلى الجد والتي تنعي على المهجو تخلقه في ميادين الشجاعة والكرم وحماية الجار وأشباه ذلك من الفضائل البدوية إلى طريقة حديثة أهم مظاهرها التهكم بالمهجو وإضحاك الناس منه , ومثاله هجاء دعبل جاره الذي سرق ديكه وأكله هو وعياله وأنكر ذلك فشهّر به دعبل في المسجد بهذه الأبيات الساخرة المضحكة المتحركة:
    أسر المؤذن صالح وضيوفه *** أسر الكميّ هفا خلال الماقط
    بعثوا عليه بنيهم وبناتهــم *** من بين ناتفة وآخر سامـط(3)
    وقد تنوع الهجاء وكان أبلغ ما فيه الهجاء السياسي الذي أبدع في رسم معالمه ابن المعتز الذي يصور ما أصاب الدولة وتسلط الأتراك على مقاليد الحكم وفي ذلك يقول :
    هذا كتــاب سير الإمـــام *** مهذبـا من جوهـــر الكــلام
    قام بأمر الملك لما ضاع *** وكان نهبا في الورى شاعا(4)


    ________________________________________
    (1)- مصطفى السيوفي , المرجع السابق , ص 38
    (2)- المرجع نفسه , ص 39.
    (3)- [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    (4) - أمين أبو ليل ، العصر العباسي الثاني , مؤسسة وراق لنشر وتوزيع، عمان، الأردن, ط 2, 2007،،ص76.


    - وأما الشعر الوصفي كان يصور الحياة البدوية في الشام والجزيرة فلما دخلت مظاهر الحضارة الفارسية تناول الشعراء مناهج الحياة الجديدة مثل مجالس اللهو والبساتين والحدائق وأنواع الفرش والرياش وحياة الجواري والمطاعم والملابس ووصف الغناء ورحلات الصيد بكل أنواعه, ووصف الغناء ووصف النفس البشرية وتحليل أعمالها الظاهرة واستنباطها، فتكلموا في الصبر والمكر، ووصفوا شعور السكران والغضبان والمهزوم والمتكبر... كما فعل كل من أبي فراس وابن الرومي توسعوا في وصف الخمر والمبالغة في ذكر مجالسها وأنواعها إلى أن استقلت الخمريات بقصائد كاملة وكان الرائد في ذلك أبو نواس حيث جاهر بالخمر والدعوة إليها فيقول :
    ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر *** ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر فعيش الفتى في سكـرة بعد سكـرة *** فإن طال هذا عنده قصر العمـر(1)

    أما شعر الغزل فقد تأثر بالتيارات الأجنبية الوافدة و التي انتشرت في البيئة و المجتمع العباسي وتبدو سمات التأثر واضحة في شيوع نزعة المجون و الإباحة ،حيث برز منذ العصر الجاهلي في اتجاهين رئيسيين هما : الغزل الحسي والغزل العفيف .
    * الغزل الحسي(الماجن): ازداد شيوعا في العصر العباسي الأول , وكثر أتباعه الذين أفرطوا في اللهو والمجون لكثرة الجواري والإماء , ووفرة مختلف أسباب القصف والعبث مما جعل شعرهم يعكس مدى التدهور الأخلاقي في تلك البيئة المريضة، وأمثالهم : أبو نواس , بشار بن برد , مطيع بن إياس والحسين بن الضحاك ومسلم بن الوليد وغيرهم .
    حسبي وحسب التي كلفت بها *** مني ومنها الحديث والنظر
    أو قبـلة في خـلال ذاك ولا *** بأس إذا لم تحلــل الأزر(2)





    ________________________________________
    (1)- حياة عبيد ، محاضرات في الأدب العباسي،بتصرف، المركز الجامعي بالوادي، دفعة 2008/2009، ص23
    (2)- أمين أبو ليل , المرجع السابق, ص85

    *الغزل العفيف : وهو عكس التيار الأول في مضمونه واتجاهاته، نبتت جذور شجرته في الجاهلية ثم ترعرعت في العصر الأموي , فلما كان العصر العباسي الأول الذي يندر أن تعثر فيه على شاعر عفيف وطاهر , انحصرت بقايا هذا الفن في شعر خمسة من الشعراء ذوي الشهرة في هذا الغرض وهم:العباس بن الأحنف زعيم هذا الفن وعكاشة بن عبد الصمد العميّ, والمؤمل ابن جميل الشاعر عم مروان بن أبي حفصة , وابن رهيمة وعلي بن أديم الكوفي .(1)
    وشعر الغزل في العصر العباسي تأثرت لغته بالحياة الاجتماعية المتحضرة الجديدة , وبالثقافة الشائعة آنذاك , مما جعل الشعراء يستخرجون للورود والرياحين لغة خاصة كانوا يخاطبون بها أحباءهم، وكذلك ما كان شائعا عندهم من "اللبان والتفاح والريحان والسواك نذكر من ذلك مطيع بن إياس :
    خـافي الله يا بربر *** لقد أفسدت العسكر
    بريح المسك والعنبر***وظبي شادن أحور (2)

    الخمريات :
    الخمرة من الفنون التي شاع أمرها وسرت نشوتها في نفوس الكثير من أبناء المجتمع العباسي عامتهم وخاصتهم , وإذا كان الجاهليون والأمويون قد سبقوا إلى ذكرها والتغني بها في أشعارهم إلا أن ذلك لم يكن يقصد لذاته فهي تأتي عندهم في مقدمات قصائدهم بشكل عرضي على خلاف العباسيين الذين قصدوها لذاتها .
    *يعتبر أبو نواس من أبرز شعراء هذا العصر المتخصصين والمسرفين في حبها , وإذا كان الأعشى والأخطل قد سبقاه إليها إلا أنهما لم يفردا لها بابا قائما بذاته , لأن الخمرة عندهما كانت وسيلة وليست غاية على خلاف النواسي , فإنها كل شيء عنده في الحياة ولاشيء يشغل باله غيرها , مما جعله يتخصص فيها ويفرد لها بابا مستقلا كاد أن يقصر شعره كله عليه .
    ملامح التجديد في الخمريات:
    1- التعمق في معانيها .
    2- استقلالها ضمن قصائد بدلا من بقائها كغرض من أغراض القصيدة التقليدية .
    ________________________________________
    (1)- حياة عبيد ، محاضرات في الأدب العباسي ، المرجع السابق ،ص39.
    (2)- [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


    *لقد اتسع المعجم الفني لشعر الخمر وازداد ثراؤه وتنوعت صوره وأخيلته في العصر العباسي وهذا يدل على ما ألم بالقصيدة الخمرية من تطور واتساع , فقد كان الشعراء يهتمون بإبراز الخصائص الفنية للخمريات من خلال تصويرهم لألوانها وروائحها ومذاقها وأوانيها ومجالسها وتأثيرها على الشاربين .
    * تميزت خمريات زعيم الشعر الخمري في العصر العباسي أبي نواس بـ:
    1- ترف الإحساس
    2- بساطة التعبير
    3- سهولة اللغة
    وهذا يدل على أنها تطورت فنيا وجماليا
    يقول أبو نواس في رده على النظام وهو أحد زعماء المعتزلة , حين لامه على شرب الخمر:
    دع عنك لومي فإن اللوم إغراء *** وداوني بالي كانت هي الداء
    صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها *** لو مسها حجر مسته سراء(1)

    أما غرض الفخر كاد يخلو من هذا العصر إلا ما نذر لأن معظم شعراء هذا العصر لم يكونوا عربا لينتسبوا إلى قبائل عربية , وما كانوا من أسرة عريقة وانعدام العصبيات القبلية والمذهبية والجنسية وإنما ورد من تفاخر بالأنساب ما كان إلا تعريضا بأقوام أخرى ،ونذكر منهم أبي فراس والمتنبي. (2) وأجمل ما ذكر في الفخر كان لعبد الله ابن المعتز إذ يقول:
    إذا شئت أوقرت البلاد حوافرا *** وصارت ورائي هاشم ونزار(3)

    ومنه إذا رجعنا إلى معظم دواوين الشعر في العصر العباسي ثم دققنا في المقاييس الأدبية التي وضعها علماء البلاغة ونقده الشعر أمثال قدامة والأصفهاني والأمدي والعسكري والثعالبي والجرجاني وابن الأثير وإضرابهم نرى أن تطور الشعري في العصر العباسي لم يتعد في الأغلب صناعة الشعر. (4)
    ________________________________________
    (1)- حياة عبيد ، محاضرات في الأدب العباسي ، المرجع السابق ،ص42.
    (2)- )- ،محمد الفاسي ، العصر العباسي الثاني ،و آخرون،دون ط دار النشر مكتبة الرشاد ،دار البيضاء المغرب ،ص20.
    (3)- أمين أبو ليل , المرجع السابق, ص79.
    (4)- أنيس المقدسي ، أمراء الشعر العربي في العصر العباسي , دار العلم للملايين , بيروت , لبنان , ص87.

    المطلب الثاني:أسباب ودوافع تطورها:
    أولا : أثر مدنية الفرس و حضارتهم القديمة :
    تعددت في الدولة العباسية العصبيات و الأمم و الشعوب و الملل و النحل و الآراء ، وضعفت العصبية العربية ، واندفع العرب إلى الشعوب المغلوبة يترجمون حضاراتهم و علومهم بلا أنفة ولا كبرياء . انتصر العرب على الفرس عسكريا و انتصر الفرس على العرب أدبيا بعد أن أعلن الخلفاء العباسيون ولاءهم الرسمي للفرس على لسان أبي جعفر المنصور.
    وانتصر التطور ، فكثر العمران ، وانتشر العلم لكثرة العمران ، وظهر جيل من الموالي سموا بالأبناء أو الأحرار جمعوا بين ثقافة العرب و ثقافة الأمم المغلوبة ، وساهموا في تقدم كثير من العلوم و الفنون منها الشعر. استطاع هؤلاء المولدون أو الشعراء من الموالي أن ينقلوا الشعر العربي من البداوة إلى الحضارة ، و أن يزودوه بمعان و أغراض جديدة لم يألفها العرب قبل العصر العباسي .

    ثانيا : تضلع الخلفاء و الوزراء بالعلم و الأدب و تشجيعهم لهما :
    حيث أن الخلفاء كانوا يعطون العلم و الأدب الاهتمام الأكبر ويعلون من قدرها و قدر أصحابها ويفرقون بين الغث و السمين مما دفع بالشعراء لبذل الجهد لتقديم الأفضل و الأروع دوما.
    ثالثا : التكسب بالشعر :
    صار التكسب ضاربا في الدولة العباسية حيث لقي تشجيع من طرف الخلفاء وذلك بتوفير الجوائز والعطايا .
    رابعا : التنافس في الوصول إلى المناصب الوزارية و الإدارية
    ارتقى بعض الشعراء بشعرهم إلى مرتبة الوزارة وولاية النواحي كمسلم بن الوليد، و أبي تمام ومحمد بن عبد الملك الزيات ( وزيد المعتصم و الواثق و المتوكل) وابن زيدون و إبراهيم الصولي، حتى طمع بعضهم أن ينال بشعره الملك كالمتنبي وابن عمار الأندلسي. (1)



    ________________________________________(1) [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


    خامسا: زيادة التحرر الاجتماعي:
    وقد أدى هذا العامل إلى انتشار حركة المجون واللهو في بغداد وغيرها من المدن العراقية كالكوفة والبصرة , مما ساعد على انتشارها دور القيان في هذه المدن إذ رادها كثير من شعراء العصر يلتمسون فيها اللذة والمتاع , وينشئون في جواريها أشعارهم الغزلية الماجنة وقد دفع هذا الجانب ازدهار موجة الغناء الجديد ويبدو أن الحرية الفردية والتسامح الاجتماعي في هذا العصر شجعا حركات منحرفة متطرقة على أن تزيد من نشاطها وتوسع من طموحاتها , ومن أشهر هذه الحركات حركة الشعوبية والزندقة. (1)
    سادسا : جهود علماء اللغة :
    لعلماء اللغة الفضل في تحول السليقة العربية السليمة من البادية إلى شعراء الحضر، فقد جمعوا لهم اللغة والشعر الجاهلي والإسلامي، ووضعوا لهم مقاييسها وضعا دقيقا ، وظلوا طوال العصر يبعثون فيهم الإيمان بأن الشعر القديم هو القدوة المثلى، وكان من هؤلاء اللغويين شعراء بارعون بادروا إلى الاحتذاء بهذه القدوة منهم حماد الراوية، و الخليل بن أحمد وخلف الأحمر و الأصمعي .
    ومعروف أن أهم مجموعتين للشعر القديم ألفتا في ذلك العصر هما المفضليّات للمفضل الضبّي الكوفي والأصمعيات للأصمعي البصري، وهما تزخران بالغريب ، ولا تبالغ إذا قلنا أن اللغويين لم يكادوا يتركون قصيدة ولا مقطوعة جيدة لشاعر جاهلي أو إسلامي إلا سجلوها ودونوها وفسروها وشرحوها وبذلك انقادت اللغة وسلست لمعاصريهم من الشعراء وغير الشعراء .
    وبذلك أصبح اللغويون سدنة الشعر في ذلك العصر وحراسه فمن نوهوا به طار اسمه ومن لوحوا في وجهه خمل وغدا نسيا منسيا ، وثبت أن كثيرا من الشعراء يعرضون عليهم أشعارهم قبل إنشادها في المحافل العظام فان استحسنوها أنشدوها وان لم يستحسنوها ذهبوا يعاودون الكرة لصنع قصائد جديدة آملين أن تظفر باستحسانهم. (2)






    ________________________________________
    (1)- مصطفى السيوفي , المرجع السابق , ص34
    (2)- [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    المبحث الثاني :الأغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي وآراء النقاد فيها
    المطلب الأول: المستجد من الأغراض الشعرية
    رأينا في موضوعات الشعر القديمة تجددا واسعا في معانيها, فقد أخذت تعرض بصورة أدق وأعمق, وأخذت تدخل عليها إضافات كثيرة, ولم يكتفي الشعراء بتوسيع دائرة الموضوعات القديمة بل استوحوا موضوعات جديدة استجابة لعوامل التطور التي غيرت صورة المجتمع في تلك الفترة , ومن هذه الموضوعات :
    1- شعر الصداقة:
    اهتم الشعراء في القرن الثاني اهتماما ملحوظا بالشعر الذي يتحدث عن الصداقة باعتبارها صورة من صور العلاقات الإنسانية النبيلة , وأفاضوا في الحديث عن الصداقة الحقيقية القائمة على الإخلاص , والصداقة الزائفة التي تنطلق من مصلحة مادية ولا تلبث أن تنكشف الأقنعة، كما حرصوا على التحذير من صديق السوء أو الصداقة الزائفة ، كقول حماد عجرد :
    كـم مـن أخ لـك لسـت تـنـكره *** مـادمـت مـن دنياك في يسر
    مــتـصـنـع لـك فـي مــودتــه *** يـاقـاك بالـتـرحـيـب والـبـشـر
    يـطـري الـوفاء وذا الوفاء ويد ***بحي الغدر مجـتهدا وذا الغدر
    فــغـذا عـدا-و الـدهر ذو غـيـر ***دهــر علـيـك عدا مع الـدهر
    فـارفـض بإجـمـال مـودة مـن ***يقـلى المقـل ويعـشق المـثـرى
    وعـليـك مـن حـالاه واحـدة ***فـي الـعسـر إمـا كـنـت و اليـسري
    لا تـخلــطـنـهم بــغـيـرهـم *** مـــن يـخــلـط الـعــقـيـان بالـصـفـر
    إن حماد عجرد يحذر من الصديق الزائف الذي يتصنع في مودته ويدور مع النعماء حيث تدور ،ولا يصاحب إلا لمصلحة أو حاجة فهو يعشق صاحب المال و الجاه والسلطة ويكره المقل أو الفقير ،فالمعيار عنده هو المصلحة المادية لا غير ،و على المرء أن ينتبه لهذا النوع من البشر أن يحذر الاغترار بصنيعهم ،و ألا يخلطهم بالأوفياء ،ففرق كبير بين الذهب والنحاس .
    كما حذرنا أبو العتاهية من الصديق الأحمق الذي يؤذي صاحبه بحمقه ويتمادى ولا يأبه بنصح أو
    العتاب و يقول:(1) ________________________________________
    (1)- فوزي عيسى وفوزي أمين ،الأدب العباسي ،د ط ،دار المعرفة العلمية الجامعية 2003، ص220.

    احــذر الأحـمـق أن تــصــحـبـه *** إنـما الأحـمـق كـاـلـثـوب الخـــلـــق
    كــــلـمـــا رقـــعــته مــن جانب *** زعـزعـته الـريـح يـومـا فــانـحــرف
    أو كصدع –فـي الزجاج – فاحـش*** هـل يـرى صدع زجـاج يــلتـصـق ؟
    فـــإذا عــاتــبــتــه كــي يــرعــوى ***زاد شـــرا وتمـــادى فــي الحمق(1)
    و ينطلق بشار في مفهومه للصداقة من نظرة واقعية ،فهو يدعو إلى أن يأخذ المرء صديقه على علاته وألا يعاتبه في كل صغيرة وكبيرة ،فقد ينصرف عنه الأصدقاء كلما أسرف في عتابهم على المرء أن يدرك أن الصديق إنسان يصيب أو يخطئ ،يقول :
    إذا كنت في كل الذنوب معاتبا ***صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
    فعش واحد ا أوصل أخاك فإنه *** مفارق ذنب مرة و مجانبة

    إن الإكثار من شعر الصداقة يعكس مظهرا من التغير الاجتماعي في القرن الثاني هجري ن فقد ذابت العصبيات القبلية وانفتح المجتمع العربي على أجناس مختلفة من فرس وروم وهنود وغيرهم وكانت الدعوة للصداقة تعبيرا عن الرغبة في تجاوز الخلافات العصبية والمذهبية ،ولا تنسى كذلك الدور الثقافي الذي أداه ابن المقفع في هذا الجانب: فقد نقل عن الفارسية كتابي الأدب الكبير والأدب الصغير و كلاهما يحتفي بالصداقة ويعلى من قيمتها ويحض عليها،و قد عقدت صداقات كثيرة بين طوائف الشعراء مثل عصبة المجان ، ولم تمض العلاقات على وتيرة واحدة ،وقد عبر الشعر عن الصداقة في جوانبها المختلفة سلبا وإيجابا.(2)







    ________________________________________
    (1)- شوقي ضيف ،العصر العباسي الأول ،ج 3،ط 16 ، دار المعارف ،ص183.
    (2)- فوزي عيسى وفوزي أمين ،المرجع السابق ،ص221.

    2- الشعر التعليمي:
    وهو فن شعري جديد استحدثه الشعراء في القرن الثاني هجري استجابة لازدهار الحركة العلمية وتطور الحياة العقلية ورقيها، فنظم بعض الشعراء شعرا يهدف إلى تسهيل حفظ العلوم المختلفة لأن الإيقاع الشعري يسعف في الحفظ , وكما يقول الجاحظ , "فإن حفظ الشعر أهون على النفس , وإذا حفظ كان أعلق وأثبت , وكان شاهدا , وإن احتيج إلى ضرب المثل كان مثلا".
    وقد نظم الشعراء شعرا تعليميا في مختلف العلوم كالفقه والنحو والتاريخ والسير والعلوم الطبيعية, ويعد أبان بن عبد الحميد اللاحقي رائد هذا الفن الشعري الجديد , فقد ضرب فيه بسهم وافر ونظم في العلوم مختلفة "فهو إلى جانب نظمه في الفرائض قد نظم قصائد أخرى تعليمية في تاريخ الفرس , منا ما هو في سيرة أرد شير . ومنها ما هو في سيرة أنوشروان , كما نظم قصائد في العقائد الفارسية والهندية ".(1)
    و لأبان قصيدة تعليمية في مبدأ الخلق ضمنها شيئا من المنطق (2).ومن آيات براعته في هذا الفن أنه نظم كتاب كليلة ودمنة بما يتضمنه من قصص على ألسنة الحيوان في أربعة عشر ألف بيت .
    و قد استهل أبان هذه المنظومة بقوله معرفا الكتاب :
    هذا كتاب أدب ومحنه *** وهو الذي يدعي كليلة ودمنة
    فيه دلالات وفيه رشد ***وهو كتاب وضعته الهند
    فوصفوا آداب كل عالم ***حكاية عن ألسن البهائم
    فالحكماء يعرفونه فضله *** و السخفاء يشتهون هزله
    وهو على ذاك يسير الحفظ *** لذ على اللسان عند اللفظ
    كما يحفى أبان باستخلاص العبرة المستهدفة من الحكاية ،كقوله في حكاية الأسد والثور :
    و إن من كان دنئ النفس ***يرضى من الأرفع بـا لأخس
    كمثل الكلب الشقي البائس *** يفرح بالعظم العتيق اليابس (3)

    ________________________________________
    (1)- فوزي عيسى وفوزي أمين ،المرجع السابق ص 222.
    (2) شوقي ضيف ،العصر العباسي الأول ،ص 191.
    (3) فوزي عيسى وفوزي أمين ، المرجع نفسه ،ص222


    وقد تنوعت ضروب الشعر التعليمي التي طرقها ابان بن عبد الحميد ،فقد نظم الأحكام المتعلقة بالصوم والزكاة ،فقال عن الصوم :
    هذا كتاب الصوم وهو جامع عن النبي ***لكل ما قامت به الشرائع
    من ذلك المنزل في القران *** فضلا على من كان ذا بيان (1)
    و شارك إبان في نظم الشعر التعليمي شعراء آ خر ون ، فنظم حنين بن إسحاق قصيدة في التعريف بالطب والأطباء قال فيها :
    أنا ابن الذين استودع الطب فيهم *** وسمى به طفل وكهل ويافع
    يبصرني أرستطا ليس بارعا *** يقوم منى منطق لا يدافع
    وقد تنافس العلماء بالتعريف بعدة علوم وجذب الناشئة إليه ،فعالم الفلك ينظم معرفا بعلمه ،و كذلك عالم الفقه والتاريخ والنحو ،ومن أمثلة ذلك ماكتبه الكسائى في النحو :
    إنما النحو قياس يتبع *** وبه في كل أمر ينتفع
    فإذا ما أبصر النحو فتى ***مر في المنطق مر فاتبع
    وإذا لم يبصر النحو فتى *** هاب أن ينطق جبنا فانقطع
    فتراه ينصب الرفع وما *** كان من خافض ومن نصب رفع
    يقرأ القرآن لا يعرف ما ***حرف الإعراب فيه وصنع
    كما كتب الشعراء العلماء في الشعر التعليمي عن وصف الحيوان وطبائعه،ومنهم هارون الأزد ،و الجاحظ الذي قال في صفات الفيل أشعار كثير .
    ومن الشعر التعليمي ما كتبه الحكم بن عمرو في غرائب الخلق ،كالحديث عن مسخ المخلوقات وزواج الجن وقد استهلها بقوله :
    إن ربي لما يشاء قدير *** ما لنشئ أراده من مغير
    مسخ الماكسين ضبعا وذئبا *** فلهذا تناجلا أم عمرو(2)




    ________________________________________
    (1)- [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
    (2)- فوزي عيسى وفوزي أمين ، المرجع السابق ،ص 126


    ولم يقتصر الشعر التعليمي على التعريف بالعلوم المختلفة بل تعدى ذلك فطمح على هدف الأهمية وهو النصح والإرشاد والوعظ والتهذيب ،و يمثل أبو العتاهية هذا الضرب فنقف على هذا الخطاب الوعظي فيقول :
    ما انتفع المرء بمثل عقله *** وخير ذخر المرء حسن فعله
    أن الشباب و الفراغ والجدة *** مفسدة للمرء أي مفيدة
    إصحب ذوى الفضل و أهل الدين ***فالمرء منسوب إلى القرين
    إياك والغيبة والنميمة *** فإنها منزلة ذميمة
    لاتذهبن في الأمور فرطا ***لا تسألن إن سألت شططا
    وكن من الناس جميعا وسطا
    و يمكن أن نعد من الشعر التعليمي ما نظمه الشعراء في التعريف بالمذاهب المختلفة ، و لعل اهم الشعراء المذهبين الذين اهتموا بهذه الناحية التعليمية في شعرهم السيد الحميري – فهو- كما يقول ابن المعتز –(لم يترك لعلى بن أبي طالب فضيلة إلا نقلها إلى الشعر ).(1)
    ________________________________________
    (1)- فوزي عيسى وفوزي أمين ، المرجع السابق ،ص 129.

    3- شعر التصوف :
    إذا كان الزهد ردة فعل انعكاسية لحياة الترف والمجون التي سادت العصر العباسي الأول ، فإن بذوره أورثت ظلالها في هذا العصر نظر لطغيان الخلفاء ،و الأمراء والقادة والطبقات العليا من الشعب ، و تفاخرهم بنعيم الدنيا الزائل حتى أنفقوا الملايين على القصور ،وضياعهم وجواريهم وشاع الفساد حتى أضحى غير مستنكر حتى في قصور الخلفاء ،فنهض بعض علماء الأمة ،يذكرون الناس بالجنة ونعيمها وثواب التائبين العابدين ،ومنهم إبراهيم بن إسحاق الحركي وكان من كبار المحدثين ،كان عاكف النفس ،زاهدا في مباذل الدنيا ،حتى أنه رد عطية الخليفة المعتصم ، فأرسل رسوله ثانية بالأموال ،و قال له :يسألك الخليفة ،أن تفرقها في جيرانك ،فقال له :عافاك الله ،هذا ما لم نشغل أنفسنا بجمعه ،فلا نشغلها بتفرقته ، قل لأمير المؤمنين ،إن تركتنا أقمنا وإلا تحولنا عن جوارك.(1)
    وظهرت نزعة التصوف منذ أواخر القرن الثاني الهجري ، عند إبراهيم بن الأدهم ،وشقيق البلخي ومعروف الكرخي .
    وقد اختلف العلماء في مصادر الصوفية ،فالبعض يعزوها إلى اللباس الصوفي الخشن الذي اختارته الصوفية ، والبعض من الصفاء ،نسبة إلى أهل الصفة الذين انقطعوا للعبادة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) ومن أعلم التصوف في هذا العصر ،الحارث بن أسد المحاسبي (ت234ه)
    وذو النون المصري (ت245ه)وهو أول من نشر الصوفية في أرض النيل .
    وكان السري السقطي ت(251) شيخ متصوف بغداد وإمامهم ،ومن جميل شعره في التصوف .
    إذا ما شكوت الحب قالت كذبتني *** فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا
    فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا *** وتذهل حتى لا تجيب المناديا
    ويحاول متصوفة أواخر القرن الثالث الهجري صياغة أفكارهم و معتقداتهم شعرا فيه عاطفة وشوق وتضرع ،ومنهم سمنون أبو الحسين الخواص (ت303)ودلف بن جحدر الشبلى (ت334) .
    ومن جميل ما قاله في التصوف (2)
    ________________________________________
    (1)- شوقي ضيف ،العصر العباسي الثاني ، ط 12 ، دار المعارف ، ص 156 .
    (2) - أمين أبو ليل , المرجع السابق, ص50


    مضت الشبيبة والحبيبة فانبري ***دمعان في الأجفان يزدحمان
    ما أنصفتني الحادثات رمينني *** بمودعين وليس لي قلبان

    ودخل يوما على شيخه الجنيد وأنشد :
    عودوني الوصال والوصال عذب ***ورموني بالصد والصد صعب
    زعموا حين أزمعوا أن ذنبي ***فرط حبي لهم ،وما ذاك ذنب
    لا وحق الخضوع عند التلقي *** ما جزا من يحب إلا يحب
    فأجابه الجنيد :
    و تمنيت أن أراك *** ك فلما رأيتكا
    غلبت دهشة السرو***ر فلم أملك البكا
    و كان يردد دائما :
    صح عند الناس أني عاشق ***غير أن لم يعلموا عشقي لمن

    ________________________________________
    (1) - أمين أبو ليل , المرجع السابق, ص50

    4- الشعر الفلسفي :

    يعتبر أبو العلاء المعري شاعر فلسفة الحياة , وهو أول شاعر ينظم ديوانا كاملا في الفلسفة يدعى " اللزوميات " وفيه ملخص للمذاهب الفكرية السائدة في عصره .
    فهو يرى أن السلطة المدنية فاسدة بسبب المكر والرشوة , والحكام أصحاب فوضى ويتبعون هواهم , ويحكمون الرعية بالظلم وينعمون بمالها وثمرة تعبها فيقول :
    يسوسون الأمور بغير عقل *** فينفذ أمرهم ويقال ساسه
    فأف من الحياة وأف منّي *** ومن زمن رئاسته خساسه (1)
    5- الغزل بالمذكر (الغزل الشاذ ):
    الغزل بالمذكر: هو فن جديد ساعد على ظهوره ضعف الوازع الديني واتخاذ الغلمان وامتلاكهم , وانتشر بادئ الأمر بين الموالي وكان هؤلاء من أبناء الفرس أم الروم ، يؤتى بهم عن طريق السبي أو غيره ويتعهد تجار مختصون بتعليمهم وتدريبهم وقد اعتبر بعض الناس هذه الظاهرة من المظاهر الحضارية وعلى كل الأحوال هو مظهر انحلال(2) , لم يعرف العرب قبل النصف الثاني من القرن الهجري مثل هذا الميل إلى الغلمان كما عرف في الأمم السابقة،أي قبل اختلاطهم بالأمم الأجنبية .
    ويعتبر أبو نواس من الشعراء المولدين الذين ورثوا دماء فارسية فتغزلوا بالغلمان وأسسوا هذا الفن حيث يقول:
    يا من يقول الغواني *** أحلى جنى و التزاما
    خذ النسـاء ودع لـي *** ممــا يـلــدن غلامــا(3)
    وقوله أيضا:
    [center]حمدان مالك تغضبْ *** عليّ في غير مغضبْ
    إن كنتُ تبـــت إلـــى *** الله جئتنـي تتجـــــــــنبْ
    وقد حلفتُ يمينــــــــــاً ***مبــــــــرورة لا تكــــذّبْ
    [/cen بربِّ زمزم والحوض *** والصفـا والمحصّـــــب أن لا أنال غلامـــــــاً *** رخص البنان مخضّبْ(4)
    ________________________________________
    (1) - عمر الدقاق , الموسوعة العربية ، سوريا , 2005
    (2) - يوسف عطا الطريفي ، شعراء العرب ،العصر العباسي ، ط1 , 2008 ، ص 30
    (3) - حياة عبيد ، محاضرات في الأدب العباسي ، المرجع السابق ،ص44
    (4)- محمد تقي, السلطة على الشعر... اللغة , مجلة المثقف العربي , العدد 1571 , 2010.

    6- الشعر الشعبي:
    إن التطور الحقيقي الذي طرأ على الشعر في العصر العباسي هو ظهور اتجاه قوى يعبر عن طبقات المجتمع الكادحة ويجسد همومها وآلامها دون تزويق أو رياء , وبذلك تحرر الشعر من الطابع الرسمي الذي لازمه طويلا , فلم يعد قاصرا على ما ينشد في قصور الخلفاء أو بين العلماء واقترب من هموم الناس واستجاب لحاجاتهم العاطفية والاجتماعية , وكان طبيعيا أن يسلك الشعر هذه الدروب بعد التطور الاجتماعي الهائل الذي طرأ على المجتمع العباسي، فلم يمثل مجتمع النخبة أو الطبقة الواحدة بل أصبح يستوعب طبقات اجتماعية مختلفة الأجناس والطبائع كالمولدين والموالى والزنج وغيرهم , وقد عبر الشعراء المنتمون لهذه الطبقات البائسة عن همومهم ومآسيهم في غير تحرج , فكانت أصواتهم وهم يشكلون الفقر أشبه بصرخات قوية تدين المجتمع وتكشف عن الخلل الكامن فيه , فثمة طبقة قليلة تستمتع بملذات الحياة وتسرف في معيشتها غاية الإسراف في مقابل الطبقة الكادحة التي تمثل الأغلبية وهي تعاني شظف وقسوة الفاقة(1) , وليس أدل على هذا الطابع الشعبي الذي بلغة الشعر من ظهور مقطوعات شعرية يستخدمها الشاعر الفقير في سؤال الناس واستجدائهم , ومن ذلك قول أبى فرعون الساسي:
    يا إخوتي يا معشر الموالى *** أنا ابنكم وأنتم أخوالـي
    هذا زبيلي وجرابـي خـال *** والمال عال والدقيق غال
    وقد مللنا كثرة العيال(2)

    ________________________________________
    (1)- فوزي عيسى وفوزي أمين ، المرجع السابق ،ص229
    (2)- المرجع نفسه , ص231



    المطلب الثاني: آراء النقاد في التجديد
    انقسم نقاد الأدب وعلماؤه طبقات:

    1- طائفة من النقاد تقف إعجابها وتقديرها على الشعر القديم ,وتزري بشعر المحدثين وفنهم لما فيه من إسفاف وإغراق وإحالة ونقص طبع وتفاوت نفس وتباين ملكات وهم علماء الأدب واللغة الذين تثقفوا ثقافة أدبية وعربية خالصة ولم يتزودوا بزاد آخر من الثقافات الحديثة.(1)

    ومن هؤلاء أبو عمرو بن العلاء وكان أعلم الناس بالعربية , كان يقيم الموازنة على أساس عصورهم لا على أساس شعرهم حتى قال "لو أدرك الأخطل يوما واحدا من الجاهلية ما قدمت عليه أحد " وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين وسئل عن المولدين فقال: ما كان من حسن فقد سبق إليه وما كان من قبيح فهو من عندهم .
    ومنهم أيضا ابن الأعرابي وكان يزري بأشعار المحدثين ويشيد بشعر القدماء فكان يقول في شعر أبي تمام "إن كان هذا شعر فكلام العرب باطل " وكان ابن الأعرابي يعيب شعر أبي نواس فأنشده رجل شعرا له وهو لا يعرف قائله فأعجب به إعجابا شديدا وكتبه فلما علم أنه لأبي نواس أنكره.

    2- طائفة أخرى من النقاد حكموا الذوق الأدبي وحده في الشعر وحكموا بالفضل لمن يستحقه جاهليا كان أو إسلاميا أو محدثا كالجاحظ وابن قتيبة وابن رشيق , ونقد ابن المعتز تعصب العلماء على المحدثين لغير سبب وفضل لامية مروان على لامية الأعشى.(2)

    3- وطائفة أخرى حكمت الثقافات الحديثة في النقد كما فعل قدامة في نقد الشعر ومناهجه ولا سيما بعد إطلاعهم على ترجمة كتاب أرسطو في نقد الشعر الذي نقله أبو بشر من السريانية إلى العربية.(3)
    وفي الأخير فإن التجديد الشعري في العصر العباسي لم يتعد في الأغلب صناعة الشعر وأنه منحصر في الوجداني منه , وهو يظهر لنا في ثلاثة مظاهر رقة العبارة والتفنن في المعاني , والتوفر على البديع اللفظي , وقد يضاف إليها التوسع في المصطلحات اللفظية.


    ________________________________________
    (1)- محمد عبد المنعم خفاجي , الحياة الأدبية في العصر العباسي , ط1 , 2004 , دار الوفاء , الإسكندرية , ص 54
    (2)- المرجع نفسه , ص56.
    (3)- المرجع نفسه , ص 57.



    [/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
إسماعيل سعدي
المدير العام


البلد :
الجنس: ذكر
عدد المساهمات: 3725
نقاط تميز العضو: 72949
تاريخ التسجيل: 03/04/2009

مُساهمةموضوع: رد: الاغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي   26/03/11, 11:16 pm

ما شاء الله (الأمل المفقود) شكرا لمشاركتك معنا في المرسى ننتظر إبداعاتك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف مرسى الرياضة
مشرف مرسى الرياضة


البلد :
عدد المساهمات: 7187
نقاط تميز العضو: 126968
تاريخ التسجيل: 10/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: الاغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي   27/03/11, 01:42 pm

اهلا بك بيننا نتمنى لك اقامة طيبة وان تجدي كل فائدة ان شاء الله
اتى العصر العباسي وجلب معه الجديد فقد ثار ابونواس على المقدمة الطلالية واتى بالمقدمة الخمرية كما استحدث ابو تمام الفلسفة في الشعر والى غير ذلك من الاغراض والاساليب ولعل اهم عامل في ذلك التأثر بالفرس والحالة الاجتماعية الجيدة

انتقاء مميز وشرح كافي ووافي
بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الأمل المفقود
عضو جديد
عضو جديد


البلد :
الجنس: انثى
عدد المساهمات: 11
نقاط تميز العضو: 22952
تاريخ التسجيل: 02/03/2011

مُساهمةموضوع: رد: الاغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي   28/03/11, 03:52 pm

السلام عليكم :
أنا سعيدة جدا بردكم هذا ، وأتمني أن أستفيد منكم ومن عطائكم العلمي ، و أفيد ولو بالقليل في المرسى .[font=Arial][/fon
t]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الملتزمة
مشرفة مرسى الإسلاميات
مشرفة مرسى الإسلاميات


البلد :
عدد المساهمات: 1037
نقاط تميز العضو: 36297
تاريخ التسجيل: 10/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الاغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي   28/03/11, 10:30 pm

مرحبا بك في المرسى ..بحث مفيدة..بارك الله فيك

وقد تناولت الاستاذة حياة عبيد هذا الموضوع بكل تفاصيله بعنوان (المحاضرات الأولى في الأدب العباسي)... شكرا لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الأمل المفقود
عضو جديد
عضو جديد


البلد :
الجنس: انثى
عدد المساهمات: 11
نقاط تميز العضو: 22952
تاريخ التسجيل: 02/03/2011

مُساهمةموضوع: رد: الاغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي   29/03/11, 04:29 pm

[font=Arial]السلام عليكم :
مشكورة أختي على ترحيبكي بي وأتمني أن نستفيد منكي الكثير .[/f
ont]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

الاغراض الشعرية المستحدثة في العصر العباسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مرسى الباحثين العرب :: مرسى التربية و التعليم :: مرسى التعليم العالي ** الجامعي ** :: كلية الآداب و العلوم الإنسانية :: قسم اللغة العربية وأدابها :: البحوث-