مرسى الباحثين العرب
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
،سعدنـــــــــــا بزيارتـــــــــــــــــك
ونسعد أكثر بانضمامـــــــــــــــــــــك للباحثين أمثالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك

التســــــــــجيل لن يأخذ من وقتك الثمين إلا لحــــــــــــــــــــــــــــــظات
شكرا
ادارة المنتدي


مرسى الباحثين العرب
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولتسجيل الدخول

حفظ البيانات؟
شاطر | 
 

 – القرن التاسع عشر وتبلور خطابات النهضة العربية الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
إسماعيل سعدي
المدير العام


البلد :
الجنس: ذكر
عدد المساهمات: 3734
نقاط تميز العضو: 75744
تاريخ التسجيل: 03/04/2009

مُساهمةموضوع: – القرن التاسع عشر وتبلور خطابات النهضة العربية الحديثة   28/12/10, 11:57 pm


1 ـ الانقطاع / الانحطاط:

يبدو أن القرون الوسطى ( 476 - 1435م) لم تكن عامة ، رغم أنها شملت أوروبا وجزءا من العالم الشرقي حيث تنتصب الدولة البيزنطية. فالتاريخ الذي يحدد بدايتها، يشير إلى فترة لمعت فيها أسماء أعلام الشعر الجاهلي التي استمرت في العطاء أكثر من قرن ونصف على الأقل. كان الشاعر آنذاك بعيدا عن أمجاده القديمة الأولى (التدمريون- المعينيون- السبئيون..)، فتوهج خطابه بدفء إنساني فريد، واستفاضت على لسانه، عبر ارتعاشات اللغة البكر، أناشيد الحنين ولوعة الأسئلة الخالدة . لقد كانت حيرة كبيرة وقاسية وسط صحراء الجزيرة الشاسعة، ووسط فيافي الوهم والفرقة والنزاع .. تحت ما تبقى من (أطلال) باهتة لعالمه القديم، الذي كان قربانا لغرور الروم والفرس، أو إنجازا هـشّا دمرته قوى الطبيعة والزمن.

وكانت انطلاقة الإسلام الأولى بدءا من تأسيس الدولة في المدينة (622م) إعلانا لعهد جديد سيستمر تألقه نحو سبعة قرون. لقد فجر القرآن اللغة العربية ، ونقلها من خيام الوبر ومعاطن الإبل وأوهام أساطير الوثنية غير المثقفة إلى عوالم المنطق والرياضيات والطب والعلوم والمعارف الإنسانية، فكان نواة تفتقت حوله ينابيع الثقافة العقلانية والفكر النقدي والتمدن التي أسندت الجهود المضنية لتبديل خريطة العالم، ومن ثم خريطة العقل، إذ كانت الحدود الجغرافية بين العالم الإسلامي وسواه حدودا فاصلة أيضا بين العقل والخرافة، بين التفتح والانغلاق، بين التطور والجمود .. بين الحداثة والقرون الوسطى .

ورغم القرب والتّماسّ من حيث الحدود الجغرافية بين العالمين، إلا أن العالم العربي نجا من الغفوة الغربية ، وحتى إذا لم تكن نتائج توجهه الإنساني وامتزاج مجتمعه وتفتحه، في صالح وجهته العقلانية والنقدية دائما، فإنه عرف كيف يحول أعظم آثار الحضارات القديمة (يونانية.. فارسية..هندية) إلى دعائم مهمة لانطلاقته وتقدمه . وبالنسبة إلى الشعر، فإن قوة ثقافة الشاعر وغناها وتنوعها، كانت عاملا أساسيا في تطور الفن الشعري الذي انطلق منذ نهايات القرن الأول الهجري، كما أن التساؤلات حول بلاغة القرآن الكريم (الإعجاز)، وحول جماليات الأسلوب الشعري القديم والحديث (عكس تزمت اللغويين الأوائل) ، فتحت المجال لتأسيس معرفة شعرية ونقدية قوية، لم تلبث أن اتحدت بتراث النقد الأرسطي الوافد ، واستطاعت أن تتجاوز النقاشات العقيم الأولى إلى إثارة أمهات المسائل المطروحة على ساحة أدبية واسعة ومتنوعة . وهكذا، من الإيقاع الثابت النمطي إلى الموشحات الأندلسية، ومن الصور الحسية البسيطة إلى التكوين الداخلي المعقد للعناصر غير المنظورة ، ومن تأملات طرفة إلى فلسفة عويصة لدى أبي العلاء ، ومن الدلالات الذهنية الجافة (الشعر الحكمي والتعليمي والمباشر عموما) إلى شفافية المعاناة الصوفية الباطنية، ومن الصرخات القبلية إلى الالتزام الحزبي (شيعة - خوارج..)، إلى الاستصراخ العام (سقوط بغداد ودول الأندلس)... مرت القصيدة خلال كل ذلك بألوان وأشكال من المحاولات والمشاريع ، بل إن أسلوب النثر نفسه استجاب للتأثير اليوناني والفارسي لدى سالم وتلميذه عبد الحميد الكاتب ، ثم استوى في أسلوب عباسي مولّد في طريقة ابن المقفع ثم الجاحظ ، وقد هـيّأ تنظيم المدينة الحديث والعقلاني(إدارة وقانونا وثقافة) لتفجّـر النص النثري إلى أشكال وأساليب، تعكس تنوع وتفتح وتجدد المجتمع .

- وبمرور الزمن، أخذت الحياة الثقافية مكانها " على منحدر سيء" (1) واقترب العقل العربي من حافـة القرون الوسطى، ليسقـط في الهـوة السحيقة للانحطاط .لقد اشتدت وتضاعفت النزاعات والانقسامات والحروب ، وتواصلت الحملات الصليبية منذ أواخر القرن 11م/5 ﻫ ، وضربات المسيحيين في الأندلس، وبدأت الفوضى والظلم تعم البلاد، ولم يصل القرن 13م/7 ﻫ حتى كانت علامات الخمول والوهن والتخلف بارزة .

إن جُـلّ الدارسين يعتبرون سقوط بغداد (656ﻫ/1258م)، أو نهاية جارتها دولة الموحدين العظيمة (668هـ/1269م) نهاية للفترة الذهبية ، أو دخولا قويا إلى عالم الأفول، واندماجا في ظاهرة القرون الوسطى التي كانت مستمرة آنذاك وراء حدود العالم المجاور. وهذا التاريخ يصادف- في الحقيقة - ولادة الشاعر الإيطالي دانتي (1265/1321م) صاحب" الكوميديا الإلهية "التي تعدّ إعلانا على انطفاء آخر أنفاس القرون الوسطى وانطلاق أولى نسائم النهضة الأوروبية. وينظر دارسون آخرون-لسبب أو لآخر- إلى استمرار بعض البيئات والممارسات الثقافية - على هزالها - واستمرار تواجد كيانات سياسية وتوسعات عسكرية، على أنه امتداد (متواضع) للازدهار السالف، فتكون نهاية غرناطة (1492) والمرينيين بمراكـش (1465) والحفصييـن بتونس(1574) والمماليـك بمصر والشام (1517)، هي العلامة الصحيحة على السقـوط والانحطاط (2).

إن هذا التصور منبثق أصلا من طبيعة النظرة إلى العهد العثماني، ومحنة وعقم الأدب خلاله ، وكذلك من الدلالة التي لم يتفق حولها لكلمة (الانحطاط)، وربما أمكن الحديث أيضا عن (محافظة وانقطاع ) (3)؛ فقد تم تعويض روح التجـدّد بالثبات، ونزعة البحث والنقد بالتسليم، واتجاه الابتكار والإبداع بداء الاتباع والتقليد ، وفضيلة التفتح والحرية برذيلة الانغلاق والاستبداد،وهي كلها حالات ومفاهيم أجنبية عن الفترة الذهبية. لقد أصيب الإنسان ذاته، " الإنسان المتحضر، الذي فقد همته المُحَضّرة، فأعجزه فقدُها عن التمثل والإبداع..ففي عهد ابن خلدون استحالت القيروان قرية مغمورة، بعد أن كانت في عهد الأغالبة قبة الملك ، وقمة الأبهة ، والعاصمة الكبرى التي يقطنها مليون من السكان، ولم يكن حظ بغداد وسمرقند خيرا من ذلك ، لقد كانت أعراض الانهيار العام تشير إلى نقطة الانكسار في المنحنى البياني " (4).

يرصد محمد أركون ثلاثة مستويات استمرت فيها المحافظة على (بعض) أشكال الحياة الفكرية (5):

- كُتـاب موظفون وأدباء مقربون اتجهوا إلى جمع النصوص المختارة من المؤلفات المدرسية الكبرى وترتيبها وتصنيفها وتبسيطها بحيث تشكـلت منها موسوعات ضخمة؛ كالنويري (1332م) وابن فضل الله العمري (1348) والدميري (1405) وابن منظور (1311) والسيوطي (1505) .ويلاحظ أركون الفرق بين كتاب الحيوان للجاحظ وحياة الحيوان للدميري : " الأول يتبع خط أرسطو ويبرهن على حس انتقادي وحرص على التحقيق يتبع تصحيح الأخطاء،والآخر يكتفي بجمع المعلومات المكتسبة من قبل وحشدها في ملاحظات مرتبة ترتيبا هجائيا" (6).

- علماء ، مدرسون ، وبعضهم مارس وظائف رسمية، عكفوا على إنجاز كتب تعليمية وشروح ، موجهة لمؤسسات التعليم التقليدية(مدرسة - زاوية) والجامعات الكبرى كالأزهر والزيتونة والقرويين. وهي مجرد إيجاز واختصار:ابن آجروم، ابن مالك ، ابن هشام ، التفتازاني ، خليل ...

- مستوى مشيخة الطرق الصوفية و" تعترف له بالمواهب الروحية بيسر، الجماهيرُ الساذجة المحرومة، الخاضعة لتقلبات الطقس والأوبئة والحرب. وأدت إمكانية ممارسة اللامعقول والمتخيل والمقولة العاطفية لما فوق الطبيعي كل ذلك أدى إلى خلق مقاومة لا تقـهر تقف ضد تدخّـل العقل الوضعي "؛ مثل القادرية (1166) والشاذلية (1258) والبدوية (1276) والعيسوية (1524).

وقد رافق كل هذا انقطاع عن الماضي (سياسي، اجتماعي، اقتصادي، لغوي، نفسي) وانقطاع عن العالم المحيط.وهكذا، رغم استثناء الباحث لعبقرية عالمية فريدة كابن خلدون (1406م) وجغرافيين ومؤرخين متميزين كابن بطوطة (1377م) والمقريزي (1442م) والمقري (1632م) ولسان الدين بن الخطيب (1374م)، وكابن تيمية (1328م)، لا يسعه إلا الإقرار بصورة الخراب العام.

- لم يُسجّل أي نقاش أو مطارحة جدّية بعد عبد القاهر الجرجاني (471ﻫ) ، فقد انقطع الفضول والبحث ، بل والإبداع الملفت للانتباه أو المثير (للشغب)، ولم يرَ خلفاؤه في تأملاته وإنجازاته الخلاقة منهجا حيويا يضمن تطويره فرصة أخرى للمعرفة النقدية ، إنما عكف ابن الأثيـر (637 ﻫ) والـرازي (606 ﻫ) على تلخيص أعماله وتجميع النتائج القديمة ، وعندئذ تحول النقد - خاصة مع السكاكي (626 ﻫ) - إلى قواعد بلاغية جافة، كونت في نظره، وفي نظر ورثته، التشريع الأوفى للجمال الفني في الأدب ، فراحوا يختصرون ملخصه ويشرحون ملخصاته : ابن مالك (696 ﻫ) القزويني (739ﻫ).. وبلغت نزعة تكديس الألوان والأصباغ البيانية والبديعية أوجها في منظومات (البديعيات)، فتنافسوا في نظم العشرات منها، حتى احتوت بديعية صفي الدين الحلي(750 ﻫ) 140نوعا بديعـيا،في كل بيت نوع،وبلـغ بها ابن حجة الحموي (837 ﻫ) 143 نوعا ، وابن جابر الأندلسي الضرير 127نوعا ..

- وهكذا ، انطفأ توهج الفن، وجرف سيل ما يسمى بالصناعات اللفظية حقول الشعر والنثر ، ومُسخت الكلمة حجارة صماء ميتة تدور حول نفسها وتعبر عن الفراغ ، فانقطعت الصلة بعهد الازدهار وخط الإبداع والفعالية . لقد انحصر الشعر والنثر في مناسبات جدّ محدودة (قصائد في المولد النبوي - تهاني ومجاملات - رسائل إدارية - منظومات تعليمية ..) وتحول إلى ألاعيب لغوية وبيانية ، كانت تعد مقياس الإجادة والبراعة لدى تلك الأوساط الأدبية الفقيرة المنكوبة والمعزولة أيضا . كما تسلطت على الشعر آنذاك ظواهر مثل التخميس والتشطير والتضمين (الإيداع)، وتُبرز بوضوح انحسار الذكاء والذوق. لقد بعث الصفدي مثلا لابن نباتة قائلا من قصيدة (7) :

أفي كل يوم منكَ عَتب يسوؤني (كجلمود صخر حطه السيل من عل)

وترمي على طول المدى متجنبا (بسهميك في أعشار قلب مُـقتّــل)..

فأجابـه بقصيدة ، منهـا :

فطمتَ ولائـي ثم أقبلـتَ عاتبا (أفاطـمَ مهـلا بعـض هذا التدلّـل)

بروحيَ ألفاظ تعرض عتبهــا (تعـرّض أثنـاء الوشاح المفصّـل)

فأحييـتَ وُدّا كان كالرسـم عافيـا (بسقط اللوى بين الدخول فحومـل)..

وهو أدب ينطلق من المبدإ العام ( ما ترك الأول للآخر شيئا)، وقد قال مجير الدين بن تميم :

أُطالـع كـل ديـوان أراه ولم أزجُـر عن التضمين شعري

أُضمّـنُ كل بيت فيه معنى فشعري نصفُـه من شعر غيري .

فانتشرت السرقة وتحوير المعاني القديمة والتقليد الأعمى مع نزعة قوية للتزويق الشكلي ، مثل التاريخ الشعري ، وما يقرأ نظما ونثرا ، والعاطل، وعاطل العاطل ، والقصائد محبوكة الطرفين(أي كل أبياتها تبدأ وتنتهي بنفس الحرف) ، وقد نظم منها صفي الدين الحلي 29 قصيدة بعدد الحروف سماها (الأرتقيات ) منها (Cool :

أبتِ الوصالَ مخافةَ الرقَباءِ وأتتك تحت مدارع الظلماء

وكتبوا أبياتا تقرأ طولا وعرضا، كقول الحلّـي أيضا:

ليت شعري لكَ عـلم من سقامي يا شفائـي

لك علم من زفيـري ونحولـي وضنـائي

من سقامي ونحولـي داوني إذ أنت دائـي

يا شفائي وضنـائـي أنت دائي ودوائــي .

أو ما يقرأ من اليمين واليسار ، كقول الأرّجـاني :

مودته تدوم لكل هـول وهل كلّ مودتـه تـدوم

وهل يتقبل أو يستسيغ أحد قول يوسف الزياني في الرثاء (9) :

هنيئا لك الجنان لا السعير يا كافل الأرامل يا بشير

لقد عشت سعيدا في رغد عيش وفزت بالشهادة يا أمير

ببلدة مستغانيم كان المثوى فنعم السكنى سكناك يا نحرير .

وانحدر النثر بعد تألقه إلى أدنى درجات الإسفاف، نقرأ مثلا قول محيي الدين بن عبد الظاهر من رسالة : " حرس الله نعمة مولاي ، ولازالَ كلمُ السعدِ من اسمه وفعلِه ، وحرفُ قلمه يأتلق، ومنادَى جودِه لا يُرخّـم ، وأحمدُ عيشه لا ينصرف ، ولا عدِم متوصل الرزق من براعته التي لا تقف الوصل ، ولا عدمت نحاة الجود من نواله كل موزون ومعدود، ومن فضله وظله كل مقصور وممدود، وما خاطبت الأيام ملتمسه إلا بلام التوكيد، ولا عدوه إلا بلام الجحود ". فتكديس المحسنات ، وتكلف مصطلحات النحو والصرف لم يصبغ أي جمال على هذه القطعة ، فليست إلا دورانا في الفراغ ، وصورة للانحطاط والبعد التام عن الإبداع المنبثق عن رؤية وفعالية حضارية عقلانية حية.ولا ريب أن سقوط قيمة الكلمة، والتمزق الشامل، وانطفاء منارات العلم وراء هذا الضياع الكبير. وقد أشار عبد الرزاق بن حمادوش (ق18م) - وهو أحد أبرز المثقفين ثقافة تقليدية في مركز علمي بارز وهو الجزائر العاصمة - في رحلته، إلى النقاش العقيم الذي يدور في بعض الدروس (10)، وإلى غياب أي متقن لعلم الفلك في المغرب الأقصى آنذاك "وأما الحساب [يقول] والطب والهندسة ، فلم أر من يبحث عنهما فضلا عمن يتقنهما" (11).

ولنستمع أيضا إلى الحسين الورثلاني (1739- 1778م) يقول في رحلته لدى مروره ببسكرة (12) : "ولما دخلت مسجدها لم أجد قارئا ولا مدرسا سوى رجل واحد ، متى يقرأ لوحه ـ وهو ملقى أمامه ـ يقرأه على غير أدب ولا استقامة ، وأخبرني بعض أصحابنا أنه وجد رجلا واحدا يسرد البخاري وحده... ولعمري إن هذا أول دليل على الخراب وأقرب الأسباب له.." .



2 - عوامل النهضة العربية الحديثة:

إن عبارة الورثلاني لتدل بوضوح على عمق إحساس بعض المثقفين آنذاك بدرجة الخراب الذي حل بالحياة الأدبية والفكرية والعلمية بهذه القطعة الجغرافية المترامية الأطراف، التي نسميها العالم العربي والإسلامي . وإذا كان الورثلاني لا يتجاوز إبراز ضيقه وألمه لهذه الحالة ، فإن آخرين كمحمد بن عبد الوهاب (1703-1787م)، أو محمد بن علي الشوكاني (1760-1834م) أو محمد بن علي السنوسي (1787-1859م) حاولوا قدر استطاعتهم، وحسب اتجاهاتهم ، ترجمة هذا الألم والضيق إلى دعوة أو برنامج إصلاحي أو (تصحيح) .

لكن الهوة كانت عميقة بين عالم غابت فيه كل مظاهر الحياة والتجديد والعقلانية ، بل اكتسب كل مقومات الجمود والتخلف وثبت عليها، وبين عالم أوروبي كان في تلك الفترة يزدحم بالفتوحات العلمية والتقنية والتوجهـات الجديدة ، بروح استعمارية ليبرالية قوية ، ولذا فإن هذه التطلعات الخافتة لم تكن لتكسر قيود الجهل ، وتحطم أسوار الوهم ، وكان ينبغي أن تحدث زلازل عنيفة حتى يتمكن الناس من تَمـثُّل الحقائق الخافية حتى عن خيالهم ، فلن تكون النهضة العربية الحديثة وليدة توجيه أو موعظة ، بل صدمة قوية ، وعوامل فعالة، تعيد العرب إلى التاريخ . ويمكن تلخيص بعضها فيما يلي :

أ- الاحتكاك بالغرب (الـوافـد) :

ستكون الصدمة القوية حملة نابليون بونابرت على مصر(1798) التي يعد دارسون كثُـر تاريخها مؤشرا على الانتباه لابتداء النهضة العربية الحديثة . لقد كانت رجة عنيفة ، حضر الغرب فيها بكامل أبهته و قوته ، مدعوما بثمار النهضة والتنوير الأوروبيين. يقول عبد الرحمـن الجبرتي (13) (1754- 1822) - وهو شاهد عيان - واصفا لقاء المماليك والعثمانيين بجيوش نابليون : " وأما الأمراء فلم يهتموا بشيء من ذلك ولم يكترثوا له ، اعتمادا على قوتهم وزعمهم أنهم إذا جاءت جميع الفرنـج لا يقفـون في مقابلتهم ، وأنهم يدوسونهم بخيولهم " (14) . ويقول كريستوفر : " حين أنبيء مراد بكْ أن جيش نابليون لا يكاد يملك خيالة ، ضحك عاليا وفاخر بأنه سيشرحهم كما يشرح الشمام ، فلما رأى الفرنسيين وهم يصطفون في مربعاتهم ، أخذته الحيرة " (15). لقد كانت حربا (حديثة) استبدلت الخيول بالمدافع، والكر و الفر التقليدي بالتكتيك، فمن الثابت إذن ، أن تصور ما سيقع كان غائبا تماما عن أذهان المصريين ، فالحملة " صاعقة نزلت على عالـم نائم " (16)، لكنها " فتح عسكري وارتياد علمي" (17) ؛ إذ رغم بشاعتها والفظائع والجرائم الإنسانية التي اقترفت خلالها طيلة مدتها (1798-1801) ، إلا أنها أفادت الشرق من حيث تنبهه إلى ضرورة تجديد وعيه وحياته:

- هناك فائدة مباشرة ، هي نتيجة استراتيجية نابليون ومكونات الحملة نفسها ، فقد حاول - بشعارات مختلفة، كمباديء الثورة الفرنسية:الحرية والإخاء والمساواة.. أو الإسلامية - خداع المواطنين وإقناعهم أنه رسول الحضارة والمدنية والعلم(18)، ولذا رافقه علماء فرنسيون في الرياضيات والهندسة والطب والجغرافيا وأنشأوا في القاهرة مدرستين لتعليم أبناء الفرنسيين المولودين بمصر، وجلبوا مطبعتين (فرنسية وعربية) لطبع الأوامر والمنشورات ، وأنشأوا مرصدا ومسرحا ومتحفا ، ومكتبة للمطالعة يرتادها المصريون أيضا ، ومختبرا للكيمياء ، وكانوا يدعون المصريين للفرجة على مبتكراتهم ، كما أصدروا جريدتين، بالفرنسية وثالثة وهي (التنبيه) بالعربية، لنشر البيانات والمراسيم والمحاكمات . إنها أول مرة تقع فيها يد الشرقي على نتاج العصر الحديث ، ومن هنا سيتزايد اهتمام الشرق بالغرب ، ويتزايد اهتمام الغرب بالشرق ، ولقد كان اكتشاف المستشرق الفرنسي شامبليون (1790-1832) الذي عاصر بونابرت لرموز الخط الهيروغليفي حدثا مهما وحاسما في المعرفة التاريخية ، وفي دفع حركة الاستشراق والبحث أيضا .

- لكن الفائدة الأهم إنما كان مصدرها تلك الدهشة التي ملكت عقول الناس وهم يرون المنطاد - مثلا - يطير في الهواء ، ثم يطلق المنشورات ، فتنزل من السماء ، وقد روى الجبرتي ذلك وروى غيرها . لقد هزت الشرق وبهرته بالعلم الجديد والحضارة المتطورة التي ظهرت في مختبرات الكيمياء والفيزياء (19) ولا ريب أن رنينا قويا لناقوس الخطر قد دق في تلك الآونة ، فارتبطت الهزيمة والمذابح بالعلم والتفوق التكنولوجي ، ووضعت إلى جنب الواقع المتهالك للمصريين ، وهو ما سيحسم مسألة الاختيار - رغم العوائق والذهنيات - ولو على صعيد التحديث التقني والصناعي؛ أي المادي البحت.

- ومن مظاهر الاحتكاك أيضا: الإرساليات التبشيرية والاستشراق. والتبشير ليس جديدا على العالم العربي ، فقد كان مرافقا للحملات الصليبية ؛ لأنه منبثق أصلا من منظورها العقائدي والسياسي والتنظيمي ، لكنه أخذ منذ القرن السابع عشر صورة بعثات أو إرساليات منظمة ؛ منها البعثة الأمريكية التي أنشأت أقدم مدرسة إرسالية في لبنان (1834) ، ثم أنشأ عضوها وليم طومسون مدرسة في بيروت،وأنشأ كرنيليوس فان ديك Van Dick مدرسة في لبنان ، كما أنشأ البروتستانت الكلية السورية (1847) ثم أسسوا في نفس السنة (الجمعية السورية) لترقية الفنون والعلوم ، ومن أعضائها: ناصيف اليازجي - بطرس البستاني - ميخائيل مشاقة - نعمة ثابت...وهؤلاء عرب ، أما الأجانب فمنهم : القس غالي سميث - فان ديك - القس طومسون - والمستشرق كرلتي ...وقد أصدرت سنة 1852 مجلة باسمها يحررها بطرس البستاني . ثم انتقلوا إلى تأسيس كليات كبرى ، مثل الكلية الإنجيلية الأمريكانية للبنات (بوين طومسون 1860)، والكلية الإنجليزية للبنات (1861) والمدرسة البطريركية للروم الكاثوليك (1865) .. وأسس السيد يوسف الدبس مدرسة الحكمة للطائفة المارونية(1865) ، وأسس الأمريكان أيضا الكلية الأمريكية (1866) ، وأسس الآباء اليسوعيون بدعم مالي فرنسي الكلية اليسوعية ونقلت إلى بيروت (1874).. وكذلك أسس لافيجري أسقف الجزائر جمعية الآباء البيض (1868)، وقد ألف بعض هؤلاء معاجم ودائرة معارف وحققوا بعض الكتب الهامة .

لكـن الاستشراق Orientalisme يبقى أبرز صور الوافد الأوروبي ، فهو اهتمام بل تحدّ منهجي وعقلي من لون مغاير، إنه قدرة الغرب على التحكم في لغة وثقافة كنا نعتقد أننا وحدنا نعرفها ونفهمها.والاهتمام الغربي بالفكر العربي والإسلامي ليس جديدا أيضا؛ إذ يذكر أنه كان أحد عوامل النهضة الأوربية الحديثة، وتولت الكنيسة الكاثوليكية ترجمة الكتب العربية (في العلوم الطبيعية) إلى اللاتينية، وأنشأ اليسوعيون مدرسة لتعليم اللغة والأدب العربي في روما، وأنشأوا أول مطبعة بالحروف العربية(1514)، واستمرت الظاهرة طوال القرن السابع عشر(بوكوك الإنجليزي المتوفى سنة1691م)، وديربيليو الذي وضع مجلدات المكتبة الشرقية.

لقد سُجّل انطلاق للحركة بقوة في القرنين الثامن والتاسع عشر خاصة(كارليل 1804- يوسف هوايت 1814- دومبي 1810) لاسيما عند تأسيـس مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس (1795) بفضل المستشرق الفرنسي البارون سيلفستردي ساسي Sylvestre de sacy فاستفاضت الجمعيات الاستشراقية، في روسيا القيصرية والجمعية الآسيوية الباريسية 1821 وجمعية بريطانيا العظمى وإيرلندا الأسيوية الملكية 1823 والجمعية الأسيوية الألمانية1845...وأصدروا مجلات علمية عديدة ،ومن أشهر هؤلاء :رينو- ديسلان- فرايتاغ- فلوغل- وايل- وستنفيلد- دوزي- دي غويه- رايت- كازيمرسكي- مرجيليوث- براون- نولدكه- غولد زيهر- جويدي- جب- بروكلمان...ومن الصعب حصر عددهم فهم كثيرون ومن جنسيات مختلفة ولا يزال أحفادهم يعملون لحدّ الآن. ورغم تعصب بعضهم وتحلّله من الموضوعية، ورغم ارتباط جلّهم بالاستعمار(20)، إلا أنهم قدموا خدمة هامة للعرب في مطلع النهضة ومن وجوهها ما يلي:

- تحقيق وطبع بعض أمهات الكتب العربية القديمة في اللغة والأدب والتاريخ والدين، اعتمادا على المخطوطات الأصلية، والتنبيه إلى أماكن وجود المخطوطات العربية في مكتبات العالم.

- وضع معاجم (عربية-أجنبية) مثل: معجم عربي- لاتيني (جيجاوس-جوليوس-مانينسكي)،أوعربي- فرنسي(كازميرسكي-كوش-جاسلين بوسيه) أوعربي- إنجليزي(بادجر- لين...) أو عربي-روسي (جرجاس..) وغيرها..ومن أشهر أعمالهم هنا:دائرة المعارف الإسلامية، ومعجم مفردات القرآن- ومعجم الحديث...

- كما أن ترجمتهم للكتب العربية إلى لغاتهم أسهم كثيرا في تعريف الغرب بثقافتنا وحقيقتها ،فقد ترجموا عددا من الدواوين الشعرية وكتب الأدب واللغة والمعاجم والتاريخ والدين .

- إضافة إلى ذلك فإن منهجهم (الحديث) في التأليف وتنظيم الفصول، من خلال الكتب والمجلات العديدة التي أصدروها، ساعد على تطور منهجية البحث والكتابة لدى العرب، فخرجوا من دائرة الحواشي والمتون.



ب - البحث واستيراد المعرفة (الانطلاق نحو الغرب):

كان الفضول والدهشة التي خلّفتها الحملة الفرنسية، وكذلك الاستعمار الفرنسي للجزائر(1830).. أهم الحوافز على ضرورة استكشاف الغرب . لم تكن اللمحة الخاطفة أو السيطرة العسكرية بخططها القمعية والتجهيلية كافية لإدراك مستوى الغرب وطبيعته ، كان ينبغي الاقتراب منه والذهاب إليه، وهو ما خطط له وطبقه محمد علي في مصر(1805-1848) ، وأحمد باي حاكم تونس(1837-1855)(21). وكانت الرحلة إلى الغرب نموذجا حيا لهذا الاستكشاف .

1- إن رحلة رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1837) إلى فرنسا في إطار بعثة علمية رسمية (1826-1831)، لتعد بحق أهـمّ أثر أدبي وفكـري يترجم التفاعـل الأولي بين الشـرق والغرب (22).

- لقد ركز رفاعة على العلم وتطوره في الغرب ، بل إنه كتب الرحلة لحث " ديار الإسلام على البحث عن العلوم البَرّانية والفنون والصنائع [يقول] فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت وشائع ، والحق أحق أن يتبع . ولعمر الله إنني مدة إقامتي بهذه البلاد في حسرة على تمتعها بذلك وخلو ممالك الإسلام منه " (23). فتحدث عن علوم الطبيعة والأمراض وعلاجها ، وعن تقدم العلوم كل يوم في باريس ، وتتبع المكتبات والكليات والمدارس وما إليها ..(24).

- وغاص رفاعة بانبهار وعجب في المظاهر الاجتماعية للفرنسيين: الفضول والتطلع وحب التغيير (25) والالتزام بالواجبات والصدق (26) والإسراف في الإنفاق على اللهو والمتع (27)، ودرس لغتهم ومحاسنها وقواعدها (28) ودوائر المعارف والموسوعات وراح يتتبع المآكل والمطاعم والمتنزهات والمسارح والموسيقى والباليه والرقص...مشدوها بنظامهم وآدابهم .

- ومن أبرز ما أورده تركيزه على التنظيم السياسي والإداري لفرنسا ، بدءا من دواوين الملك والحكومة والوزارات والهيئات الاستشارية والنيابية ، وترجم الدستور كله معجبا بدوره في ضمان العدل، ولذا " انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلدانهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم ، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلما أبدا ، والعدل أساس العمران" (29) " وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه ، هو عين ما نطلق عليه عندنا العدل والإنصاف ، وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين بحيث لا يجـورُ الحاكـم على إنسـان بل القوانيـن هي المحكّـمــة والمعتبرة " (30)، وترجم أيضا تعديل الدستور سنة 1831، وشرح بإسهاب أحداث ثورة 1830 التي تسبب فيها - في نظره- تضييق الحريات والرقابة على المنشورات (31).

2 - وإلى جانب الرحلة يبرز لون آخر من ألوان الاتصال بالغرب أكثر فعالية وتنظيما ، وهو البعثات العلمية . وكان محمد علي أيضا من السبّاقين إلى هذا المضمار ، أرسل 11 بعثة إلى سنة 1847 ، منها: بعثة لدراسة الفنون العسكرية إلى إيطاليا(1813) ، ولدراسة الميكانيك إلى إنجلترا (1818) ولعلوم مختلفة إلى فرنسا (1826) وإليها لدراسة الطب (1832).

وقد ضمت رحلة سنة (1826) التي كان فيها رفاعة (44) طالبا، في التخصصات الإدارية المدنية والعسكرية والبحرية، وفي السياسة والكيميا والطب والزراعة والتاريخ والمعادن والميكانيك والهندسة العسكرية ، وصنع الأسلحة، والترجمة..وتوسّعت البعثات في عهد الخديوي إسماعيل(1830-1895) فبلغت 120 بعثة .

هذه البعثات عامل هام من عوامل الانفتاح والتطور ونقل العلوم، وقد أورد رفاعة في رحلته(32) أن محمد علي كان يتابعها شخصيا ويرسل إليهم كل عدة أشهر برسالة يحثهم فيها على طلب العلم والصنائع ، بل أورد رسالة يوبخهم فيها على ما ورد في (كشف نقاطهم) من تأخر وكسل، يقول فيها: " وهذا الأمر غمّنا كثيرا ، فيا أفندية ما هو مأمولنا منكم؟ ..فإذا لم تغيروا هذه البطالة بشدّة الاشتغال والاجتهاد والغيرة، وجئتم إلى مصر بعد قراءة بعض كتب فظننتم أنكم تعلمتم العلوم والفنون فإن ظنكم باطل، فعندنا ولله الحمد والمنة رفقاؤكم المتعلمون يشتغلون ويحصلون الشهرة، فكيف تقابلونهم ..فإنكم إن غفلتم عن اغتنام هذه الفرصة، وتركتم أنفسكم للسفاهة، ولم تفكروا في المشقّة والعذاب الذي يحصل لكم من ذلك.. فإذا أردتم أن تكسبوا رضانا فكل واحد منكم لا يفوّت دقيقة واحدة من غير تحصيل العلوم والفنون، وبعد ذلك كل واحد منكم يذكر ابتداءه وانتهاءه كل شهر ويبين زيادة على ذلك درجته في الهندسة والحساب والرسم، وما بقي عليه في خلاص هذه العلوم، ويكتب في كل شهر ما تعلمه.. وإن قصّرتـم في الاجتهاد والغيرة فاكتبوا لنا سببه، وهو إما من عدم اعتنائكم أو من تشويشكم، وأي تشويش لكم، هل هو طبيعـي أو عارض، وحاصل الكلام أنكم تكتبون حالتكم كما هي عليه حتى نفهم ما عندكم.." (33).

3- لقد تولّـد عن هذه الرحـلات والبعثات عامل ثالث مهم، وهو الترجمة ، و" كلّ عصر نهضة يبدأ بالترجمة " كما يقول منير البعلبكي(34) ، ولا نقصد ترجمة الكتب الدينية (المسيحية) التي ظهرت في الشام مطلع القرن التاسع عشر (كترجمات مكاريوس، أو جرمانوس فرحات)، وإنما نعني نقل العلوم والأفكار الحديثة إلى اللغة العربية في إطار حركة تنويرية وتجديدية عامة ، انطلقت وفق استراتيجية محددة، وهو ما توفر في مشروع محمد علي بمصر لتحديث الدولة، فكان في البعثة - كما مرّ بنا - طلبة للاختصاص في الترجمة، وأسّس مدرسة للألسن والترجمة (1835) يديرها رفاعة الطهطاوي، ثم قلما للترجمة (1841) . وقد عرفت المدرسة نشاطا كبيرا بعد 1867 بوفود الشاميين إلى مصر، وتمّ نقل كتب كثيرة في العلوم الطبيعية والحربية والرياضيات والدين والحقوق والاقتصاد والأدب (35) وسنكتشف أن هذه الحركة حوّلت مجرى الأدب والحركة النقدية في أوائل القرن العشرين وطواله.

ج - نمـو الاتصال:

إن الاتصال المقصود هنا مصطلح شامل واسع الدلالة على مختلف المظاهر والوسائل والوسائط التي تعيد الالتحام بين العناصر التي تمزقت وابتعدت عن بعضها بسبب الانقطاع الطويل.

1- ومن الواضح أن الريف، أو المدينة الميتة المغمورة شكّلت الصورة الأساسية للتجمعات العربية طوال عصور الانحطاط، لكن الظروف الصعبة الصحية، والاقتصادية والاجتماعية وعلى رأسها الفقر والاضطهاد الذي أنزله الاستعمار على الضواحي ، دفع إلى هجرة وتكتل في المدن، ومن ثم فإن تواصل الأفراد والجماعات الذي استحال بسبب التقوقع والشتات ، أخذ يحل محله تقارب وتكتل ، ولابد أن يسر المواصلات النسبي بسبب الأعمال الكبرى من طرقات وسكك حديدية، والتي أنجزها الاستعمار بدماء وآلام المحليين لأغراضه القمعية والتوسعية مهمّ في هذا المجال، ثم إن الغاية من هذا التنقل لم تكن إلا بسبب خراب الريف ، فالدافع كان دائما من أجل لقمة عيش مغمسة بالدم والذل أو من أجل دراسة تقليدية في مدرسة أكبر .

2- والطباعة أهم حدث في مطلع النهضة العربية الحديثة، وأهم وسيلة ضمنت الاتصال وقوّته، وأمّنت انتشار الأفكار والأخبار والعلوم. حقا إن تأثير المطابع الأولى باهت وضئيل (دير قزحيا بلبنان 1601- دير مار يوحنا بالشوير 1733- مطبعة القديس جورجيوس 1751- وكذلك مطبعة نابليون خلال الحملة 1798) لكن المطبعة الأهلية (بولاق) التي أسسها محمد علي(1821) أسهمت بشكل واسع وتاريخي في طبع الكتب العلمية والأدبية والدينية أكثر من تسعين سنة .ثم كانت مطابع كثيرة (المطبعة الأهلية القبطية 1860- كطبعة وادي النيل 1866- المطبعة الأمريكية ونقلت إلى لبنان 1834- المطبعة الكاثوليكية 1848- المطبعة السورية 1857- مطبعة المعارف للبستاني 1867 وغيرها ...) .

لقد كونت هذه المطابع حركة علمية وأدبية واسعة، إذ بنشرها لمختلف الأعمال ساهمت في إحياء التراث العربي، وأوصلت الكتاب الحديث والمترجم والمحقق إلى آلاف المثقفين والطلبة، فهي من أهم العوامل في بعث النهضة وتجسيدها.

3- وتعدّ الصحافة - كعامل أساسي في البعث - ثمرة من ثمار المطبعة (بل ومن نتائج الحملة الفرنسية ؛ لأن نابليون-كما سبق- أنشأ ثلاث جرائد )، ويبدو أن عامل الرحلات كان أكثر فعالية في ظهورها وانتشارها . و(الوقائع المصرية) هي أول صحيفة عربية، أصدرها محمد علي (1828) بالتركية ثم مزدوجة اللغة ثم بالعربية فقط ، وظلت تصدر إلى أوائل القرن العشرين. ومن محرريها : حسن العطار- أحمد فارس الشدياق- محمد عبده.. وغيرهم من الأعلام. وتليها جريدة(المبشر) التي أصدرها الفرنسيون في الجزائر (1847) بالعربية والفرنسية، وهي صحيفة رسمية تصدر مرتين في الشهر إلى أوائل القرن العشرين.

ثم كثرت الصحف والمجلات الرسمية وغير الرسمية: (وادي النيل 1866-نزهة الأفكار1869وهي للمويلحي - روضة المدارس1870وحررها أعلام بارزون)، وفي الشام نلقى: (مرآة الأحوال بالآستانة 1855 – حديقة الأخبار من 1858إلى 1909 والجوائب لأحمد فارس الشدياق (1860-1884) ونفير سوريا، للبستاني 1860 ) . كما ظهرت (الرائد التونسي 1861) واستمرت إلى أوائل القرن العشرين، وفي بغداد: (الزوراء لمدحت باشا 1868 ) وأصدر السوريون صحفا هامة بمصر مثل: (الكوكب الشرقي1873- والأهرام لسليم وبشارة تقلا1875 والتي ما تزال تصدر بمصر)(36).

ولكي ندرك تأثير الصحافة وأهميتها في النهضة، ينبغي أن نتذكر الأسماء التي كانت تحررها آنذاك، أمثال : عبد الله النديم- وجمال الدين الأفغاني- والبستاني- ومحمد عبده - والكواكبي...وغيرهم . فقد " أيقظت الصحافة الأذهان، وحملت إلى قرائها لواء الدعوات السياسية والفكرية المختلفة :التجزئة والوحدة الوطنية والإقليمية،الرابطة العثمانية والجامعة الإسلامية والقومية العربية..." (37). ونقرأ لأديب إسحاق في العدد الأول من صحيفته (مصر 1879): " مسلكي أن أكشف حقائق الأمور ملتزما جانب التصريح ، متجافيا عن التعريض والتلميح ، وأن أجلو مبادئ الحرية وآراء ذوي النقد ، وأن أبين ما يظهره البحث عن عواقب الحوادث ومقاصد أهل الحل والعقد، وأن أوضح معايب اللصوص الذين نسميهم اصطلاحا(أولي الأمر) ، ومثالب الخونة الذين ندعوهم وهما (أمناء الأمة) ومفاسد الظلمة الذين نلقبهم جهلا (ولاة النظام) . ومقصدي أن أثير بقية الحمية الشرقية، وأهيّج فضالة الدم العربي، وأرفع الغشاوة عن أعين الساذجين، وأحيي الغيرة في قلوب العارفين، ليعلم قومي أن لهم حقا مسلوبا فيلتمسوه ، ومالا منهوبا فيطلبوه، وليخرجوا من خطة الخسف ، وينبذوا عنهم كل مدلّس يشتري بحقوقهم ثمنا قليلا"(38). ويقول إبراهيم أبو اليقظان (وهو من الحركة الوطنية الجزائرية) (39):

إن الصحافة للشعـوب حيـاة والشعب من غير اللسان موات

فهي اللسان المفصح الذّلِق الذي ببيـانه تُتـدارك الغايــات

فيها إلى الأمم الضعيفة ترفع الرغبات منه ، وتبلغ الأصوات

الشعب طفل وهي والده يرى لحيــاته ما لا تـراه رعـاة

فالصحافة عندهم أداة تثقيف وتهذيب، ووسيلة ثورية ضد الاستعمار والظلم والفسـاد.

4- سندرج المكتبات كذلك في وسائل النهضة، لا بوصفها أداة تثقيف وتكوين فحسب، بل بوصفها وسيلة اتصال أيضا. ذلك أن الذخائر من المكتبة العربية تعرضت للتلف والتدمير والسرقة منذ إغراق مكتبات بغداد على يد المغول إلى إحراق مكتبة جامعة الجزائر الإجرامي. ومن ثم انقطع الإنسان العربي عن الكتاب، وبقيت مكتبات في بعض العواصم، ومبادرات فردية بعد ذلك الاهتمام الجماعي(الأسطوري) الذي اشتهر به المسلمون منذ أقدم العصور. فعودة المكتبات تترجم سلوكا جديدا ، يقوي التواصل بين الماضي والحاضر ، وبين الأنا والآخر ، وبين المواطنين أنفسهم . وكانت المكتبات الكثيرة في الآستانة تضم - إلى سنة 1914- نحو 200 ألف كتاب، وتأسست مكتبة دار الكتب المصرية عام 1870 وضمت آنذاك 70 ألف مجلد، ومكتبة الأزهر(1879) أكثر من 63 ألف كتاب ، وفي أروقته نحو 30 ألف كتاب، وفي المساجد آنذاك ودار الآثار نحو31 ألف مجلد ، وفي مكتبة بلدية الإسكندرية(1892) نحو 16 ألف مجلد، بل إن بعض المكتبات الخاصة ضمت عددا هاما (أحمد زكي باشا 18 ألف مجلد )، وفي دمشق ضمت المكتبة الظاهرية نحو 4000 مجلد ، والمكتبة الشرقية لليسوعيين نحو أربعين ألف مجلد وفي مكتبة الكلية الأمريكية 17 ألف مجلد، وضمت المكتبة الأهلية في الجزائر(1835) نحو 40 ألف مجلد منها 2000 مخطوط ، وقس على ذلك مكتبة تونس (1906)، ومكتبة الرباط بالمغرب (1922) والحجاز...
5- لقد كان التعليم قبل النهضة مقصورا على تدريس العلوم التقليدية بالأساليب العتيقة، وفضله - رغم قتله للذكاء وروح الإبداع- يتلخص في حفاظه على الشخصية الوطنية (أبعاد الهوية ) وإشاعة القراءة والكتابة في أغلب الأوساط ، لكنه تعليم غير مُـجْد، لا هدف ولا بُعد له ،إلا أنه في بداية النهضة وبعد تطويره أدى دورا هاما في التثقيف والتوعية والتكوين خصوصا، بل إن المدرسة الجديدة التي تكفلت بها الدولة (من منظور استراتيجي تحديثي) أو الأهالي (كمقاومة وتجديد) ، ضمنت الاتصال بين طبقات الشعب وتوحيدهم على رؤية تنويرية ومشروع نهضوي ،وربطتهم أيضا بأحدث العلوم والمبتكرات والاكتشافات، لقد بلغـت المدارس في عهد محمد علي (1839) ست عشرة مدرسة (طب-كيمياء-مشاة- فرسان- بحرية- طب حيواني- هندسة- زراعة- ولادة- إدارة وترجمة..) وتتكفل تدريسا ونفقة بنحو تسعة آلاف تلميذ، وبعد 1882 بلغت 5370 مدرسة ابتدائية و27 ثانوية إضافة إلى الأزهر والكتاتيب ،وبلغ عددهـا (1913) نحو 5000 مدرسة، وتُعد سنة 1822 بداية لتأسيس الجامعات، فيها تأسست الجامعة الأمريكية، وفي 1875 تأسست الجامعة اليسوعية في بيروت ، وكلية صادقي في تونس وتأسست سنة 1880، وفي 1908 كان الحدث افتتـاح الجامعة المصرية، وهكذا سوريا 1924، العراق 1926، والقدس 1925.

د - التكتـل والنقاش (التفــاعل) :

مع الاقتراب من نهايات القرن التاسع عشر كان الوعي قد بدأ يجد طريقه إلى العقول، وبدأت ثمار تلك الإصلاحات في الشرق تظهر . وبسبب الصحافة (لاحظْ ارتباط التكتل غالبا بصحيفة ما) ونمو الاتصال، لاحت بوادر التكتل والتجمع في صورة جمعيات علمية ونواد ، ومن الصعب حصر عددها ، ففي مصر وحدها بلغت في أواخر القرن التاسع عشر نحو 160 جمعية (علمية- خيرية - للتعاون- للأيتام- للإسعاف..) (40). وقد تحولت إلى مساحات للتكوين والتثقيف بل ومنابر للتحريض والتوعية، مما أدى إلى توقيف الكثير منها سواء من طرف الأتراك أو من طرف الاستعمار البريطاني والفرنسي.

تأسست جمعية زهرة الآداب(1873) لسليمان البستاني وإبراهيم اليازجي وأديب إسحاق ثم توقفت ، وصودرت جمعية المقاصد الخيرية(بيروت 1880) وهدفها ترقية الشباب المسلم ، وتأسس المجمع العلمي الشرقي (1882) ، وفي دمشق) الجمعية الخيرية 1878 ، والتاريخية 1875 ، والفنون الطبية 1887..)، وفي مصر( مجلس المعارف المصري 1859، والجمعية الجغرافية 1875، وجمعية الآداب 1871، والجمعية الشرقية1877، وجمعية مصر الفتاة لجمال الدين الأفغاني والنديم وأديب إسحاق، وهي سياسية سرية..) كما تأسست جمعية المعارف 1868 ، والمجمع اللغوي 1892 ، وجمعية العروة الوثقى 1891 وغيرها..

والملاحظ أن أكثر الجمعيات كانت تخفي أنشطة سياسية رغم تباينها وتناقضها أحيانا، ولذا قمعت في الغالب. فلفكرة الجامعة الإسلامية أسس جمال الدين الأفغاني (أم القرى )1857، ثم في باريس مع محمد عبده (جمعية العروة الوثقى). وللتيار العثماني تأسست جمعية الاتحاد والترقي 1908، وفي سبيل الطائفية، نجد مثلا جمعية الإصلاح القبطية 1908. ومثّل التيار الوطني في النهاية أول حزب سياسي (الحزب الوطني 1879) تزعمه مصطفى كامل وكان وراءه جمال الدين الأفغاني. كما كان للتيار القومي عدة جمعيات، كجمعية بيروت السرية 1875 (نمر فارس- صرّوف- اليازجي..) وجمعية حقوق الملة العربية 1881، وحلقة الشيخ طاهر الجزائري وضمت جمال الدين القاسمي ورفيق العظم وكرد علي وبعض الضباط، وجمعية النهضة العربية 1906 لمحب الدين الخطيب، والإخاء العربي العثماني 1908 والمنتدى الأدبي 1909. ونلحظ في هذا السياق تقليدا جديد يتمثل في النوادي الأدبية، ومن أشهرها ندوة توفيق البكري في بيته بين (1892-1912) حضرها علي يوسف، نمر فارس، الشنقيطي، المويلحي.. وندوة أحمد شوقي في بيته، يحضرها البشري وهيكل وحافظ إبراهيم وفكري أباظة... وندوة محمد بهجت البيطار بالشام وحضرها شكيب أرسلان والبشير الإبراهيمي وسعيد الأفغاني.. وندوة أحمـد زكي شيخ العروبة في بيته (دار العروبـة) المفتوح لكل رواد العالم الإسلامي بين 1922-1934 وحضرها أبوحديد، بشر فارس، زكي المهندس، كامل كيلاني.. كما تبرز مساهمة ندوة مي زيادة منذ 1913 كل ثلاثاء يحضرها: لطفي السيد، إسماعيل صبري، شوقي، حافظ، ولي الدين يكن، أنطون الجميل رئيس تحرير الأهرام، العقاد، طه حسين، الرافعي، مصطفى عبد الرازق...

وقد قمع الاستعمار الفرنسي في الجزائر أكثر الجمعيات كالجمعية الدينية للأمير خالد1925 ، وحزب نجم شمال إفريقيا 1926 وشتت المؤسسة الخيرية بالجزائر وقد استمرت قليلا بعد 1830 ، وكذلك (نادي صلاح بك) النقابي الاجتماعي والتعليمي بقسنطينة . وقصة الجزائر مع الجمعيات مؤلمة ومثيرة، فقد كان المثقفون يدعون إلى تأسيس الجمعيات والنوادي حتى الرياضية ويشجعون عليها ، وكان الاستعمار يحلّها ويقمعها ، ولذا كثرت الجمعيات والنوادي خاصة في أوائل القرن العشرين مع الحركة الوطنية ، فهي التي احتضنتها ودعمتها ونشرت فكرها التحريري .

ومن أوائل النوادي (نادي صالح باي) بقسنطينة أسسه المولود بن موهوب والمجاوي والحفناوي.. ثم نادي الترقي بالعاصمة الذي يعد شرارة قوية للحركة الوطنية والأدبية ، وكان بالبليدة (نادي النهضة 1932، ونادي التقدم 1935 )، وفي سكيكدة نادي العمل1936 وأسسه ابن باديس . وفي تلمسان النادي الإسلامي ، ونادي الشبيبة ، وفي سطيف نادي الإرشاد1936 رأسه فرحات عباس ، وغيرها من النوادي ..(41) .

3- مركز النهضة :

قد يكون هذا الموضوع بحاجة إلى بحث مركز ومستفيض ، يستهدف معرفة الشروط التي توفرت لبيئات معينة في فترات محددة ، جعلت منها مركزا فاعلا في إنتاج الفكر والثقافة والحضارة بشكل عام ؛ إذ التبست هذه العوامل ، فتلخصت في العامل السياسي غالبا ، ويلوح الأمر لأول وهلة كذلك ، حين نجعل من كون دمشق عاصمة ومركزا للسلطة الأموية أو من بغداد عاصمة العباسيين سببا في الرخاء والازدهار الذي عرفتاه في تلك الفترات . لكننا نعلم أن البصرة والكوفة وخراسان.. كانت مدنا لا تقل ازدهارا أو حيوية عن العواصم المذكورة ، بل كان لها تأثير خطير في تاريخنا وثقافتنا، فقد يكون المقصود توفر أسباب التطور للعواصم أكثر مما تتوفر لغيرها . كما أن البلاط كان حريصا دائما على توفير جو علمي وثقافي كبير ؛ لحاجته إليه ، وليكتسب سمعة خاصة ، وهو ما سيولد عاملا أساسيا في جلب النخبة والعلماء؛ أي استعداد البلاط لفتح المجال وإنفاق الأموال اللازمة في سبيل التنمية والازدهار .

لقد عرف تاريخنا مراكز عديدة ظلت تشع زمنا طويلا ، فبالإضافة إلى دمشق وبغداد والبصرة والكوفة، تألقت حلب وسمرقند وقرطبة وغرناطة وفاس وبجاية وتلمسان والقيروان ، وكذلك القاهرة ، التي بقي يتلألأ منها ضوء اهتدت بنوره النخبة طيلة عصر الانحطاط ، وقد اشتركت هذه المراكز (42) في التوفر على عدة عوامل كالأموال والرخاء والاستقرار وامتزاج الأجناس وتوفر شيء من الحرية .

خلفت القاهرة بغداد مباشرة بعد سقوطها ، وإن انتقال الخليفة العباسي الضعيف والحاكم الشكلي إليها، يرمز في الحقيقة إلى انتقال المنارة (المركز) إلى مصر . فرغم وجود فاس وبجاية وقرطبة في تلك الفترة ، إلا أن العيون تحولت إلى القاهرة، وظلت بالفعل حاضرة الشرق كله ، بل كان إشعاعها يمتد إلى سائر العالم العربي والإسلامي كلما تهدمت وسقطت حواضره الأخرى . وربما أمكننا - بسبب الموقع والمكانة الإستراتيجية لمصر - أن نفهم لماذا اهتم المسلمون الأوائل بفتح مصر متخذين منها قاعدة لفتوح أخرى، ولماذا جعلها المعز لدين الله الفاطمي مشروعه الرئيسي (43) ، أما الأوروبيون فوضعوها على رأس القائمة . يقول ابن واصل خلال حديثه عن حصار دمياط من قبل الفرنج ووصول نجدة إضافية لهم(44): " حينئذ هجم الفرنج البلد على غفلة من أهلها، واستولى الفرنج عليهم واسترقوهم ، وجعلوا الجامع كنيسة . واشتد طمع الفرنج حينئذ في ملك الديار المصرية وظنوا أنهم يملكــون بملكها البيت المقدس وسائر بلاد الشام " . فسقوط مصر كان يعني لهم انفتاح المجال للتوغل والسيطرة على الشام والقدس والشرق كله .

إن نظرة واحدة إلى الخريطة تجعلنا ندرك أهمية موقع مصر، تشرف على الشام والخليج وتتصل بالمغرب العربي(45) متوسطة الطريق منه وإليه، حتى الأندلس. فالحجيج أو الطلبة أو الرحالة يتوقفون بالضرورة عند هذا المركز الهام، العريق في الحضارة، ومن هنا ندرك لماذا بدأ الاستعمار الأوروبي بمصر.

لكن فشل الحملة النابليونية ولّد وضعا خاصا ، ونتج عن آثارها وعن تخلخل المركزية العثمانية ، ظاهرة جديدة اسمها محمد علي ، لم يكن لها مثيل آنذاك في العالم العربي والإسلامي كله. كان له مشروع، ينسجم تماما مع تطلعات النخب المختلفة ومع توجه النهضة ذاتها ، فصارت مصر المركز ؛ لأن نظام محمد علي كان يسمح بحرية النشاط والكلام وهو ما يغيب تماما في باقي أجزاء الدولة العثمانية " وفي نهاية القرن كانت مصر مؤهلة لتكون على رأس حركة التجديد " (46). وبالفعل وجد المجددون المصريون، والمهاجرون وعلى الأخص اللبنانيون، جوا ملائما يتوفر على وسائل الاتصال والاحتكاك، ومناخا ملائما لتفجير البذور الأولى لهذه الحركة.

4- حركة النهضة:
لقد غدت هذه الكلمة من أعقد المصطلحات الآن، ومن أكثرها إثارة للنقاش، لاسيما بعد بروز مصطلحات أخرى (التنوير- الحداثـة- المعاصرة - ما بعد الحداثة..)، وبعد الانتكاسات والمشاكل التي يعانيها المجتمع العربي بشكل عام .
إن ابن منظور (47) يقترح علينا طائفة من المعاني، يمكن أن تعود أساسا إلى محورين:

أ- محور الدلالة على الحركة والقيام ( نهض: قام- انتهض القوم وتناهضوا:نهضوا للقتال - أنهضه: حرّكه للنهوض- أنهضتِ الريح السحاب : ساقته وحملته - طريق ناهض: صاعد في الجبل- النهضة:عتبة تعوق وتتعب الإنسان أو الدابة)

ب- محور الدلالة على القوة والطاقة والمقاومة (النهضة: الطاقة والقوة - ناهضته : قاومته- أنهضه بالشيء: قواه به- الناهض: الفرخ الذي قوي جناحاه فاستعد ليطير و النَّهْض:القسر - النّهاض: السرعة .

لقد تجمّع لدينا معنى لغوي عام يختزن ويربط دلالات (الحركة والقيام والطاقة والقوة وتجاوز الصعوبات ) ، وهو - رغم بساطته - يفصح عن أهم مكونات دلالة المصطلـح اجتماعيا وثقافيا، بل إن صورة الفرخ الذي كبر وقوي جناحـاه ( قوة وطاقة بوسيلة) فاستعد وتأهل للطيران ، لذات دلالة رمزية وافية على الحالة التي نحن بصددها.

يقول الكواكبي (1849-1902):" الترقي هو الحركة الحيوية ، أي حركة الشخوص، ويقابله الهبوط ، وهو الحركة إلى الموت أو الانحلال، أو الاستحالة أو الانقلاب، فإذا رأينا في أمّة آثار حركة الترقي (الشخوص) هي الغالبة على أفرادها، حكمنا لها بالحياة ، ومتى رأينا عكس ذلك قضينا عليه بالموت" (48)، ولا ريب أن مضمون القيام والصعود هو الغالب على هذه الزاوية من الرؤية، رغم نفاذها إلى صميم التغيير (اجتماعي وإنساني)، ذلك أن النهوض يعقب - طبيعيا ولغويا - السقوط ، الغفلة ، النوم،الانحطاط . فمفهوم الانبعاث والنهضة هنا يطابق عبارة إتيان سوريو من أنه " بعث عام لنشاط العقل، وأن يكون في الوقت ذاته سبيلا إلى الخروج من الضلال ،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد
مشرف مرسى الرياضة
مشرف مرسى الرياضة


البلد :
عدد المساهمات: 7205
نقاط تميز العضو: 130078
تاريخ التسجيل: 10/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: – القرن التاسع عشر وتبلور خطابات النهضة العربية الحديثة   29/12/10, 12:20 pm

بارك الله فيك
وجزاك كل خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
foufou90
مشرفة المرسى العام
مشرفة المرسى العام


البلد :
الجنس: انثى
عدد المساهمات: 3750
نقاط تميز العضو: 73505
تاريخ التسجيل: 23/10/2009
العمر: 24

مُساهمةموضوع: رد: – القرن التاسع عشر وتبلور خطابات النهضة العربية الحديثة   29/12/10, 01:05 pm

جميل هذا الموضوع بجمال عطاءك

بارك الله فيك و جزاك الله كل الخير
أسعدك الله و أرضاك

لك مني أجمل تحية


اللهم انا نسألك العافية في الدنيا والاخرة...
وااخر دعوااانا أن الحمد لله رب العالمين...


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

عٌفْوُآ ثٍقُتٍيْ بٍنُفْسٍيّ لّيِسًتْ غٌرٌوّرُاً ...
لٍيْ " شُخْصــ يَ تَيّ " وآعْتًزْ فٍيَهـًــآآ...


وإن غبتُ ...
ســ تبقوْن ...فِي اٌلبال دائماً ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

– القرن التاسع عشر وتبلور خطابات النهضة العربية الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مرسى الباحثين العرب ::  ::  ::  ::  :: -